د. إبراهيم بن جلال فضلون
الحكاية التي لم تبدأ ببيان سياسي، بل بدأت بملامح قلق بدت على وجوه المصريين في الطوابير، وخوف مشروع على وطن عريق كان ينزلق نحو نفق مظلم من الفوضى والانهيار المؤسسي، حيث عبر الرئيس عبدالفتاح السيسي في كلماته: «إن ثورة الثلاثين من يونيو لم تكن مجرد حدث سياسي عابر، وإنما كانت لحظة فارقة في تاريخ الدولة المصرية، استعاد فيها الشعب قراره، وحافظ على هويته، وانطلق نحو بناء دولة حديثة قادرة على مواجهة تحديات المستقبل»، فالتحولات الكبرى في تاريخ الأمم لا تقاس بعدد السنوات التي تفصل بين حدثين، وإنما بحجم الفارق الذي يصنعه الحدث في مسار الدولة وقدرتها على الانتقال من مرحلة إلى أخرى، فما جرى في 30 يونيو كان بمثابة «عبور ثانٍ» نحو مستقبل جديد، عبور لم يرمم جدران الدولة فحسب، بل أعاد بناءها من القاع إلى القمة؛ لتبقى ثورة الثلاثين من يونيو واحدة من أكثر المحطات تأثيرًا في التاريخ المصري الحديث، ليس لأنها أنهت مرحلة سياسية مضطربة فحسب، وإنما لأنها دشنت مسارًا مختلفًا لإعادة بناء مؤسسات الدولة، وترميم الاقتصاد، واستعادة الدور الإقليمي، وإطلاق مشروع تنموي واسع النطاق حمل لاحقًا اسم «الجمهورية الجديدة».
وقد شكّل الموقف السعودي عقب ثورة 30 يونيو أحد أبرز عوامل الإسناد العربي للدولة المصرية في مرحلة اتسمت بحساسية سياسية واقتصادية بالغة، بادرت المملكة بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز –رحمه الله – إلى إعلان دعمها لاستقرار مصر ومؤسساتها، معتبرة أن أمن مصر يمثل ركيزة للأمن القومي العربي، ولم ننسي وقوف الملك سلمان بن عبد العزيز -حفظه الله- حينما جند كافة امكانياته سيراً على خطى أبائه وأجداده الملوك الميامين، فلم يقتصر هذا الدعم على المساندة السياسية والدبلوماسية، بل امتد إلى ولي العهد الأمين ومهندس الرؤية القويمة صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان -أيده الله- بحزمة من المساعدات المالية والنفطية والاستثمارات التي أسهمت في تعزيز الاحتياطي النقدي، وتخفيف الضغوط على الاقتصاد، وتأمين احتياجات الطاقة والسلع الأساسية خلال مرحلة انتقالية دقيقة، بما أتاح للدولة مساحة للتحرك نحو تنفيذ برنامجها للإصلاح الاقتصادي وإطلاق مشروعاتها التنموية.
السعودية ومصر... شراكة المصير
وعلى المستوى الإستراتيجي، أسهم التنسيق المصري السعودي في ترسيخ معادلة جديدة للأمن الإقليمي، تقوم على دعم مؤسسات الدولة الوطنية، ومواجهة الإرهاب، والحفاظ على استقرار المنطقة في ظل المتغيرات التي أعقبت ما عُرف بالربيع العربي. كما انعكس هذا التقارب في توسيع آفاق التعاون الاقتصادي والاستثماري، وتعزيز التنسيق السياسي في القضايا العربية، بما جعل الشراكة المصرية السعودية إحدى الركائز الرئيسة لاستقرار الإقليم، وأحد النماذج العربية التي جمعت بين المصالح الاستراتيجية والتنمية الاقتصادية والتضامن العربي.
من حصار العزلة إلى قيادة المشهد
قبل الثورة، كانت التقارير الدولية تتحدث بنبرة من الشفقة أو التحذير عن «الوضع في الشرق الأوسط»، وكانت مصر شبه معزولة عن محيطها العربي والإفريقي. تجمدت عضوية مصر في الاتحاد الإفريقي في عام 2013، وبدت الدبلوماسية المصرية في حالة دفاع مستمر ومبرر أمام عواصم العالم. لكن المعادلة انقلبت رأساً على عقب بفضل إستراتيجية «التوازن الذكي»، فلم تكتفِ مصر بالعودة إلى أحضان القارة السمراء، بل تسلمت رئاسة الاتحاد الإفريقي في عام 2019، وتحولت إلى صوت قوي يدافع عن حقوق القارة في قمم المناخ والمنصات الاقتصادية الدولية.
وعندما ننظر إلى المشهد المصري في منتصف عام 2013، نجد دولة تواجه تحديات متراكمة، فالمؤشرات الاقتصادية تعكس ضغوطًا غير مسبوقة؛ إذ تراجع الاحتياطي من النقد الأجنبي إلى أقل من 15 مليار دولار، وارتفع عجز الموازنة، وتباطأت معدلات الاستثمار، كما انعكست أزمة الطاقة على حياة المواطنين، وفي الوقت ذاته، كانت حالة الاستقطاب السياسي تنعكس على المناخ العام، بينما فرضت التحديات الأمنية ضغوطًا إضافية على مؤسسات الدولة وقدرتها على أداء وظائفها الأساسية، لذا جاءت مرحلة ما بعد الثلاثين من يونيو باعتبارها إعادة لصياغة أولويات الدولة، وبداية لمسار مختلف، فارتكزت على فكرة استعادة كفاءة الدولة أولًا، ثم الانتقال تدريجيًا إلى بناء قاعدة اقتصادية وتنموية أكثر اتساعًا في مواجهة الأزمات الإقليمية والدولية.
الاقتصاد وأفق التنموية
ولعل أول اختبار حقيقي لهذا المسار كان في قطاع الطاقة، الذي مثّل قبل عام 2013 أحد أبرز مظاهر الأزمة. فقد بلغ العجز في قدرات إنتاج الكهرباء آنذاك ما يقارب ستة آلاف ميجاوات، وأثر مباشرة على النشاط الصناعي والاستثماري، فتبنت الدولة خلال السنوات التالية خطة توسع غير مسبوقة في إنشاء محطات التوليد، كان أبرزها المحطات العملاقة التي أُنشئت بالتعاون مع شركة «سيمنس»، في إضافة أكثر من 31 ألف ميجاوات للشبكة القومية؛ ليتحول العجز إلى فائض كبير يسمح حالياً بالربط الكهربائي والتصدير لدول الجوار مثل الأردن والسودان واليونان، إلى جانب التوسع في مشروعات الطاقة المتجددة، وهو ما أضاف أكثر من واحد وثلاثين ألف ميجاوات إلى الشبكة القومية، لتتحول مصر من دولة تعاني عجزًا مزمنًا في الكهرباء إلى دولة تمتلك فائضًا يتيح لها تنفيذ مشروعات الربط الكهربائي مع دول الجوار، ويفتح آفاقًا لتصدير الطاقة مستقبلًا.
بينما تراجع الاحتياطي النقدي الأجنبي قبل الثورة إلى مستويات خطيرة مهددة للوضع الاقتصادي، هابطًا إلى أقل من 15 مليار دولار في أوائل عام 2013، وهو ما كان يكفي بالكاد لتغطية السلع الأساسية لأسابيع قليلة، لكن في المسار الجديد، ورغم الأزمات العالمية المتلاحقة (مثل جائحة كورونا والأزمات الجيوسياسية المحيطة)، فقد استقر الاحتياطي النقدي ليتجاوز حاجز 46 مليار دولار، مما يعكس مرونة وصمود الاقتصاد المصري الحالية.
وبالنسبة لجودة الطرق واللوجستيات، فقد كانت الطرق المصرية قبل الثورة توصف بأنها «طرق الموت» بسبب تهالكها، حيث كانت مصر تقبع في المركز 118 عالمياً في مؤشر جودة الطرق. بفضل المشروع القومي للطرق وتشييد أكثر من 7000 كيلومتر من الطرق الجديدة والجسور المحورية، قفزت مصر لتصل إلى المركز 28 عالمياً، وهي قفزة نوعية اختصرت زمن نقل البضائع وحققت أماناً مرورياً غير مسبوق، وهو تطور لا يقاس بالمركز الرقمي وحده، وإنما بما وفره من خفض زمن النقل وتقليل تكلفة الخدمات اللوجستية، وهي عوامل أصبحت اليوم معيارًا رئيسًا في قرارات المستثمرين.
وثمة من ينظر إليها باعتبارها كتلًا خرسانية ضخمة أو إنفاقًا رأسماليًا مرتفعًا، بينما تشير القراءة الاقتصادية الأعمق إلى أنها استثمارات طويلة الأجل في قدرة الدولة على المنافسة، ولكن القراءة الإستراتيجية المنصفة تؤكد أنها كانت «خطوط الدفاع الأولى» عن الأمن الغذائي واللوجستي لمصر.
كانت الرسالة الإستراتيجية واضحة؛ وهي أن الحفاظ على الموقع الجغرافي المتميز لمصر لا يتحقق بالشعارات، وإنما بالاستثمار المستمر في تطوير هذا الموقع وتعظيم قيمته الاقتصادية، وعلى سبيل المثال مشروع قناة السويس الجديدة التي لم تكن مجرد ممر إضافي، بل كانت رسالة ثقة للعالم، حيث نجحت في خفض زمن عبور السفن من 22 ساعة إلى 11 ساعة فقط، مما ضاعف الإيرادات السنوية للقناة لتلامس أرقاماً قياسية، وأحبطت بشكل استباقي كافة الأفكار والمشاريع الإقليمية البديلة التي كانت تهدف لتهميش دور مصر البحري.
الثورة والإنسان أولاً
إن نجاح أي مشروع تنموي لا يقاس بحجم الإنفاق عليه وحده، وإنما بمدى انعكاسه على حياة المواطنين. وهنا تبدو إحدى أهم سمات المرحلة التي أعقبت الثلاثين من يونيو، وهي انتقال الدولة من معالجة الأزمات الآنية إلى محاولة بناء منظومة متكاملة للحماية الاجتماعية والتنمية البشرية عبر مجال الأمن الغذائي، والانطلاق نحو الصحراء عبر مشروع الدلتا الجديدة، ومشروع إعادة إحياء توشكى الخير، لزيادة الرقعة الزراعية بأكثر من 2.2 مليون فدان؛ حيث شكل الإنتاج المحلي الجديد حائط صد حقيقي حمى المواطن من نقص السلع الأساسية، كما تزامن برامج الإصلاح الاقتصادي، بما حملته من أعباء معيشية، مع توسع ملحوظ في برامج الدعم النقدي مثل «تكافل وكرامة»، التي شملت ملايين الأسر، إلى جانب زيادة مخصصات الدعم التمويني، ورفع مخصصات برامج الحماية الاجتماعية بصورة دورية لمواجهة الضغوط التضخمية، ومبادرة «حياة كريمة» باعتبارها المشروع التنموي والاجتماعي الأوسع نطاقًا في تاريخ مصر الحديث.
أما في القطاع الصحي، فقد شهدت مصر تجربة استثنائية حظيت باهتمام دولي واسع، تمثلت في القضاء على فيروس الالتهاب الكبدي الوبائي «سي». فمن دولة كانت تسجل واحدة من أعلى نسب الإصابة عالميًا، تحولت إلى أول دولة تعلن منظمة الصحة العالمية إشهادها رسميًا على تحقيق المستوى الذهبي في القضاء على المرض كمشكلة صحية عامة، بعد تنفيذ أكبر حملة مسح طبي شملت أكثر من ستين مليون مواطن، وتوفير العلاج بالمجان لملايين المصابين، ولا ننسى مبادرة «100 مليون صحة» لتوسع مفهوم الرعاية الصحية من علاج المرض إلى الوقاية منه، عبر الكشف المبكر عن الأمراض المزمنة، والاهتمام بصحة المرأة، ومتابعة الأمراض غير السارية، في واحدة من أكبر المبادرات الصحية على مستوى المنطقة.
غير أن قراءة مسار الثلاثين من يونيو لن تكتمل إذا اقتصرت على الداخل المصري وحده، لأن أحد أبرز ملامح المرحلة التالية تمثل في إعادة تموضع مصر إقليميًا ودوليًا، فأصبحت قدرة الدولة على الحفاظ على استقرارها الداخلي شرطًا أساسيًا لاستعادة دورها الخارجي، عبر ممارسة سياسة خارجية أكثر توازنًا، قائمة على تنويع الشراكات وعدم الارتهان لمحور واحد، مع الحفاظ على ثوابت الأمن القومي المصري، كما شهد الحضور المصري في القارة الإفريقية تحولًا ملحوظًا، تُوِّج بتولي مصر رئاسة الاتحاد الإفريقي عام 2019، بعد سنوات من استعادة نشاطها داخل المؤسسات الإفريقية، وتكثيف التعاون في ملفات التنمية والبنية التحتية ومكافحة الإرهاب والربط القاري.
كما عززت مصر حضورها في شرق البحر المتوسط، مستفيدة من اكتشافات الغاز الطبيعي ومن بنيتها التحتية المتطورة، لتصبح مقرًا لمنتدى غاز شرق المتوسط، في خطوة عكست تحول الطاقة من تحدٍ داخلي إلى أحد عناصر القوة الجيوسياسية للدولة، ولم يكن ذلك مجرد تطور اقتصادي، بل إعادة صياغة لموقع مصر في معادلات الطاقة الإقليمية، بما منحها مساحة أوسع للحركة في ملفات التعاون والشراكات الدولية، رغم التداعيات القاسية نتيجة جائحة كورونا، ثم الحرب الروسية الأوكرانية، وحرب إيران والحلف الأمريكي الإسرائيلي، وما تبعها من ارتفاع غير مسبوق في أسعار الغذاء والطاقة، فضلًا عن الضغوط التضخمية العالمية وتشديد السياسات النقدية في الأسواق الدولية.
الظهير العربي الحاسم
هنا تكمن أهمية الفصل بين مستويين من التقييم؛ الأول يتعلق بالاتجاه الإستراتيجي للدولة، والثاني يرتبط بالنتائج اليومية التي يشعر بها المواطن. وهي معايير تظل مفتوحة للتقييم المستمر، لأن التنمية ليست نقطة وصول، بل عملية متواصلة تتطلب المراجعة والتطوير.
ومن الإنصاف أيضًا أن يُنظر إلى الجمهورية الجديدة باعتبارها مشروعًا لم يكتمل بعد، لا مشروعًا انتهى. فالدول الكبرى لا تُبنى في سنوات قليلة، وإنما عبر تراكمات طويلة من العمل المؤسسي والإصلاح الاقتصادي والاستثمار في الإنسان. وإذا كانت المرحلة الأولى قد ركزت على إعادة بناء البنية الأساسية واستعادة كفاءة مؤسسات الدولة، فإن التحدي الأكبر في المرحلة المقبلة يتمثل في تعظيم العائد الاقتصادي لهذه الاستثمارات، وتحويلها إلى نمو أكثر شمولًا ينعكس على دخول المواطنين، ويعزز دور القطاع الخاص، ويزيد من تنافسية الاقتصاد المصري في الأسواق العالمية.
وأخيراً: سيظل الثلاثون من يونيو علامة فارقة في السردية الوطنية المعاصرة؛ فهناك من يراه لحظة إنقاذ للدولة من مسار شديد الاضطراب، بينما ينظر إليه آخرون من زوايا سياسية مختلفة. غير أن ما لا يختلف عليه كثير من المتابعين هو أن السنوات التالية شهدت برنامجًا واسعًا لإعادة بناء مؤسسات الدولة وتحديث بنيتها الأساسية، وأن هذا البرنامج غيّر ملامح قطاعات عديدة، من الطاقة والطرق والإسكان إلى الصحة والحماية الاجتماعية والسياسة الخارجية.
وقفة
«إن بناء الأوطان لا يكون بالشعارات، وإنما بالعمل والصبر والإخلاص، وما تحقق هو خطوة في طريق طويل يتطلب استمرار الجهد والحفاظ على الدولة ومؤسساتها»؛ لتبقى ثورة الثلاثين من يونيو، في ميزان التاريخ، محطةً لا تُقرأ بحدود يومٍ أو عام، بل بامتداد المسار الذي أطلقته؛ مسارٌ لا تزال فصوله تُكتب، وتبقى قيمة نجاحه النهائية مرهونة بقدرته على تحويل الاستقرار إلى تنمية، والتنمية إلى رخاء، والرخاء إلى مستقبلٍ يليق بتاريخ مصر ومكانتها.