أوس أبو عطا
من الطبيعي القول إنّ مكة في زمن الجاهلية كانت مدينة دينية وتجارية عظيمة ولها نفوذ سياسي واسع في المنطقة العربية، فالكعبة هي قبلة العبّاد العرب ومثوى أفئدتهم، يحجّون إلى أوثانهم وأصنامهم فيها، وتقيم لهم قريش الأسواق والأعياد، أشهرها سوق ذي المجاز والمجنة وعكاظ التي كانت أكبر أسواقهم، تقام في كل عام بالقرب من عرفات منذ منتصف ذي القعدة إلى نهايته، ولم تكن سوق تجارة فحسب، بل كانت سوقاً للشعر والخطابة أيضاً. ويذكر الجاحظ في المحاسن والأضداد بعض أخبارها، أنّ منها من كان حداداً أو نجاراً أو خياطاً أو جزّارا أو صانع بُرم. كل ما تقدم يدلل على أهمية مكة السياسية والتجارية والمالية والثقافية، وأنا سأحاول في هذه الورقة أن أحيط بسبب تسمية قريش بهذا الاسم، وتبين لي أن الدافع من وراء التسمية هو تجاري، وسأتطرق للنظام التجاري المعقد في مكة في الجاهلية، كما سأعرض وجوه ترف المجتمع الحجازي في الجاهلية وأسبابه وأشهر العائلات الموسرة حيث بلغ الترف والثراء حدودا واسعة.
غني عن البيان، أن نسب قريش يعود لعدنان حفيد اسماعيل عليه السلام، وتتسلسل منه، كما ذكره الدكتور نبيه عاقل في كتابه (تاريخ العرب القديم والعصر الجاهلي):
عدنان/ معد/ نزار/ مضر/ الياس/ مدركة/ خزيمة/ كنانة. ومن كنانة جاء النضر وهو أول من سمي بقريش. ويتسلسل أجداد الرسول الكريم بعد كنانة على الوجه التالي:
كنانة/ النضر/ مالك/ فهر/ غالب/ لؤي/ كعب/ مرّة/ كلاب/ قصي/ عبد مناف/ هاشم/ عبد المطلب/ عبد الله/ محمّد.
إن أردنا التحقق عن سبب تسمية النضر بن كنانة بهذا الاسم لوجدنا غير رأي في السبب آنف الذكر.
يذكر اليعقوبي في الجزء الأول من تاريخه، أن النضر بن كنانة كان أول من لُقِب بقريش، والسبب في ذلك تجارته ويساره وأنه كان يقرّش عن حاجة النّاس فيسدها بماله. ويذكر سببا آخر هو أن أمّه سمته قريشا، تصغير قرش، تشبيها بدابة تسمى بالبحر قرش. وفي رأي آخر، يذكر الطبري في الجزء الثاني من تاريخه، وابن سعد في طبقاته، أن قريش هي من التقرش بمعنى التجمع. وفي سياق متصل يدلي الشيخ سعيد الأفغاني برأيه بهذه المسألة في كتابه (أسواق العرب) بقوله: «يستبعد الذهن أن تكون دابة البحر هي التي أوحت بهذا الاسم، ولو روي هذا القول عن ابن عباس، لبعد العرب حول مكة عن البحر وجهلهم حيوانه، ففي هذا الشرح تكلف ظاهر، والذي لا يجد المرء غيره مذهبا يرتضيه هو أن تكون قريش من (القَرش) بمعنى الجمع، لما كانوا يتعاطون من التجارة وجمع المال، إذ كانوا معروفين بذلك عند العرب عامة. ذكر ابن هشام أن التقرش: التجارة والاكتساب، وأنّ القروش أيضا التجارة والاكتساب وأتى على ذلك بشاهد من كلام العرب». نستنتج من كلام الشيخ سعيد الأفغاني أن أصل التسمية هو تجاري ومالي بحت وليس تشبيها بالقرش الذي يعيش في البحر، وفي اعتقادي المتواضع أن هذا هو التفسير الأقرب للواقع التجاري والمالي النشط الذي كانت تشغله مكة في تلك الحقبة الزمنية.
يذكر ابن الفقيه في (كتاب البلدان) أن أهل مكة لم يؤدوا في الجاهلية إتاوة قط، بل كانت قريش تأخذ من العرب إتاوة تسمى الحريم، كان يدفعها كل من نزل مكة في الجاهلية.
كما يذكر الأزرقي في (أخبار مكة) أن قريشا كانت تأخذ إتاوة من التجار الأجانب الذين يقيمون بها، وكانت تسمّى ذلك العشور. حيث كان تجار فارس وبيزنطة يقيمون بها، وهذا ما يفسر إسلام كل من الصحابيين صهيب الرومي وسلمان الفارسي.
ويتحدث هنري لامنس في (كتاب مكة) عن الأنظمة والمعاملات التجارية التي كانت تطبقها الأخيرة في الجاهلية، يذكر المكاييل والموازين، والبيع الحاضر وبيع النسيئة أو البيع المؤجل، كما كان هناك الربا و المضاربة التي تعني أن يتاجر شخص ما بمال غيره ويعطي صاحب الرأسمال كما نسميه حالياً أو الممول، قسم من الأرباح له، وهذه هي الطريقة التي اتفقت عليها السيدة خديجة مع الرسول الكريم حين تاجر لها، قبل زواجه منها.
يروي صفي الرحمن المباركفوري في كتابه (الرحيق المختوم) قولا لابن اسحق في هذه الحادثة: « كانت خديجة بنت خويلد امرأة تاجرة ذات شرف ومال، تستأجر الرجال في مالها، وتضاربهم إياه بشيء تجعله لهم».
كما يقول لامنس قولا له دلالة عظيمة: «مكة كانت تشبه مصرفا كبيرا، وكان الربح في المصرف عظيما.» وهنا نستذكر أنّ الربا كان مضاعفا وبالتالي الأرباح مضاعفة ولهذا ورد تحريمه في القرآن الكريم.
يذكر كل من اليعقوبي والطبري، أن تجار قريش عقدوا معاهدات مع القياصرة والنجاشيين والأكاسرة، كما عقدوا معاهدات بينهم وبين القبائل التي تمر قوافلهم التجارية بها، لضمان سلامة القوافل وعدم التعرض لها. ضف على ذلك أنّ التجارة ازدهرت في مكة أثناء العهد القرشي، إذ أصبحت تحتكر تجارة العرب، ومحطة كبيرة للتجارة الآتية من الجنوب، تجارة اليمن وما يأتيها من الهند والحبشة. وكانت أيضاً تأتيها من الشرق قوافل محمّلة بتوابل الهند. وكانت الحقبة الأخيرة من العصر الجاهلي حقبة ذهبية لتجارة مكة بسبب ما كان بين الفرس والروم من تصادم، فكانت مكة مركز كل القوافل والتجارة الذاهبة إلى الشمال والمنحدرة إلى الجنوب أو الشرق، وكانت قوافلها تذهب إلى غزة ومنها إلى مصر، وإلى بصرى في سوريا. حيث كانت تبلغ القافلة حوالى 2500 بعير.