أحمد آدم
يعيش المشهد السياسي في منطقة الخليج العربي على وقع تباينات دراماتيكية متسارعة، تلاحقت فصولها خلال فترة زمنية وجيزة لتربك المتابع العام، وتضعه أمام تساؤلات حائرة حول البوصلة الحقيقية للسياسة الدولية في المنطقة. فبينما كانت أجواء الهدنة ومذكرات التفاهم برعاية الوساطات الإقليمية توحي باقتراب قطار التهدئة، جاءت جولة وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو والبيان المشترك الصادر عن اجتماع المنامة الوزاري ثم الهجوم الجوي الأمريكي علي بعض المواقع الإيرانية بمنطقة خليج هرمز وتوعد إيران بالرد. ليعيدا لغة الخشونة والاشتراطات الصارمة إلى الواجهة. هذا التناقض الظاهري بين لغة السلام ولغة الردع، والتعارض الملحوظ داخل أروقة الإدارة الأمريكية نفسها، يفرض علينا تجاوز القراءات السطحية؛ لتفكيك أبعاد هذه الهندسة البراغماتية، وفهم كيف ولماذا تتباعد المواقف وتتشابك المصالح على حافة مضيق هرمز قبل أيام من استئناف مفاوضات الحسم الفنية.
أولاً: وزير الخارجية الأمريكي: جولة وبيان مفاجئان
اختتم وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو جولة خليجية يوم الخميس (25 يونيو 2026) بعقد اجتماع وزاري مع دول مجلس التعاون الخليجي في العاصمة البحرينية المنامة، وصدر عنه بيان مشترك أغضب طهران ودفع الخارجية الإيرانية لوصفه بأنه بيان «استفزازي وغير مسؤول. أبرز ما جاء في البيان الخليجي الأمريكي المشترك:
1 - أكد الاجتماع على التزام واشنطن بأمن الخليج بعد الحرب الأخيرة التي شهدتها المنطقة، وتضمن عدة بنود:
* التصدي للتهديدات: شدد البيان على أن تحقيق السلام الدائم يتطلب مواجهة شاملة للصواريخ الباليستية الإيرانية، والطائرات المسيرة، ودعمها للميليشيات والوكلاء بالمنطقة .
* مضيق هرمز: رفض الجانبان فرض أي رسوم عبور، ضرائب، أو محاولات لفرض السيطرة العسكرية من قِبل إيران على المضيق، مع التأكيد على حرية الملاحة غير المشروطة.
* شرطية التجارة: أوضح البيان أن أي تجارة أو استثمار مستقبلي مع إيران بموجب «مذكرة التفاهم الأخيرة» سيكون مشروطاً وقابلاً للإلغاء، ومرهوناً بوقف سلوكها للاستقرار.
* نزع السلاح: دعا البيان لنزع سلاح الجماعات المسلحة غير الحكومية في غزة ولبنان (مثل حماس وحزب الله).
2 - الرد الإيراني الغاضب والتحذيرات الصادرة: أصدرت وزارة الخارجية الإيرانية بياناً ردت فيه على الاجتماع:
* وصف البيان: اعتبرت المواقف الأمريكية الخليجية تدخلاً سافراً وموقفاً استفزازياً يعمق الانقسامات، مشيرة إلى أن الوجود العسكري الأمريكي هو المصدر الأساسي لانعدام الأمن.
* السيادة على هرمز: شددت طهران على أن مضيق هرمز يقع ضمن المياه الإقليمية لإيران وسلطنة عُمان، وأن إدارته ستتم بناءً على البند الخامس من مذكرة التفاهم الموقعة لإنهاء الحرب، وليس بالإملاءات الأمريكية.
* التحذير لدول الخليج: دعت إيران جيرانها العرب إلى «إعادة النظر في مواقفهم»، مذكّرة إياهم بأن أراضيهم استُخدمت من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل لشن ضربات ضدها خلال الحرب، وحذرتهم من الانجرار وراء «سباق تسلح خطير».
* رفض مصطلح «الوكلاء» :رفضت طهران وصف حركات المقاومة الفلسطينية واللبنانية بـ»الوكلاء الإيرانيين»، واصفة إياها بحركات تحرر مشروعة.
يأتي هذا التصعيد الكلامي بالرغم من توقيع الولايات المتحدة وإيران على مذكرة تفاهم (إطار عمل) برعاية وساطة قطرية وباكستانية لوقف الحرب والبدء في مفاوضات مستمرة لمدة 60 يوماً. ويسعى وزير الخارجية الأمريكي من خلال جولته الحالية إلى طمأنة الحلفاء الخليجيين من أن واشنطن لن تقدم تنازلات مفرطة لطهران في الاتفاق النهائي.
ثانياً : تباين واضح في موقفي فانس وروبيو
هناك تباين واضح ظهر بين موقفي نائب الرئيس الأمريكي ووزير الخارجية. يعود هذا التباين والتعارض إلى انقسام أيديولوجي عميق داخل الإدارة الأمريكية نفسها، حيث يمثل وزير الخارجية ماركو روبيو الجناح التقليدي المتشدد (الصقور) الحريص على حماية التحالفات الدولية، بينما يمثل نائب الرئيس جي دي فانس جناح «أمريكا أولاً» الانعزالي الذي يرفض توريط واشنطن في حروب الشرق الأوسط.
1 - عقيدة ماركو روبيو (جناح الصقور والالتزام بالتحالفات)
يرى روبيو أن هيبة الولايات المتحدة تعتمد على قوة تحالفاتها وإظهار الردع العسكري الحازم:
* طمأنة الحلفاء: يسعى روبيو إلى تبديد ما يدور من تنازلات أمريكية ودول الخليج في أي اتفاق نهائي مع إيران.
* الردع بالتشدد: يؤمن بأن الضغط الأقصى على طهران هو الوسيلة الوحيدة لإجبارها على تقديم تنازلات حقيقية في مفاوضات الـ60 يوماً.
* إرث الحزب الجمهوري: يمثل التيار الذي يرى في إيران تهديداً وجودياً للمصالح الأمريكية وحلفائها (بما في ذلك إسرائيل) يجب قمع طموحاته.
2 - عقيدة جي دي فانس (جناح الواقعية والانعزالية)
ينظر فانس إلى الشرق الأوسط من منظور التكلفة والعائد المباشر للمواطن الأمريكي، ويرفض الانجرار وراء صراعات لا تنتهي:
* تجنب الحروب الإقليمية: يعارض فانس بشدة أي تصعيد قد يجر القوات الأمريكية إلى مواجهة عسكرية مباشرة مع إيران لحماية إسرائيل.
* تقاسم الأعباء: يتبنى مبدأ «أمريكا أولاً»، ويرى أن على الدول الإقليمية الثرية الاعتماد على نفسها وتدبير أمنها.
* التركيز على الصين: يرى فانس أن التهديد الحقيقي والمصيري لأمريكا هو الصين، وأن استنزاف الموارد الأمريكية في الشرق الأوسط يخدم بكين مباشرة.
3 - الأهداف السياسية من وراء هذا التباين (توزيع الأدوار)
هذا التناقض الصارخ ليس عشوائياً، بل يمثل استراتيجية أمريكية مقصودة لإدارة المرحلة الحالية (مهلة الـ60 يوماً)، وتفسره أربعة أسباب رئيسية:
أ - لعبة «الشرطي الصالح والشرطي السيئ» (توزيع الأدوار)
تستخدم الإدارة الأمريكية هذا التباين كأداة ضغط مزدوجة: فانس (الشرطي الصالح لإيران / السيئ لإسرائيل): يرسل إشارات لطهران بأن واشنطن جادة في السلام ولا تريد حرباً، ليدفع إيران للالتزام بالهدنة، وفي نفس الوقت يلجم نتنياهو ويمنعه من تخريب الاتفاق.
روبيو (الشرطي السيئ لإيران): يذهب للخليج ليرسل رسالة لطهران مفادها: «إذا استغللتم الهدنة للتصعيد أو فرض شروطكم في مضيق هرمز، فإن خيار المواجهة والتحالف العسكري ما زال مطروحاً على الطاولة».
ب - طمأنة الحلفاء العرب لمنع التعاون مع الصين وروسيا
شعرت دول الخليج بقلق شديد بعد توقيع ترامب المفاجئ على مذكرة التفاهم مع إيران، واعتبرت ذلك تراجعاً أمريكياً. هنا جاء دور روبيو ليمتص هذا الغضب؛ فذهب شخصياً، وأن أي اتفاق نهائي سيكون مشروطاً بوقف سلوك إيران المزعزع للاستقرار.
جـ - رفع سقف المطالب قبل «الاتفاق النهائي»
مذكرة التفاهم الحالية هي مجرد «إطار عمل مؤقت» لوقف الحرب لمدة 60 يوماً، وتجري الآن مفاوضات شرسة خلف الكواليس لصياغة الاتفاق الدائم. تصريحات فانس تضمن عدم قيام إسرائيل بتفجير المفاوضات عسكرياً. بينما بيان روبيو يضمن عدم قيام إيران بفرض شروط مريحة لها (مثل فرض رسوم في مضيق هرمز أو رفض نزع سلاح وكلائها). واشنطن تريد دخول المفاوضات النهائية وهي في موقف قوة.
د - إرضاء الداخل الأمريكي المنقسم
يعكس هذا التباين التوازنات السياسية داخل واشنطن: فانس يتحدث لجمهور «أمريكا أولاً» (القاعدة الشعبية لترامب) التي تكره الحروب وتريد وقف إنفاق أموال دافعي الضرائب على تسليح إسرائيل. بينما روبيو يتحدث للمؤسسة العسكرية (البنتاغون) وصقور الحزب الجمهوري الذين يرون في لغة القوة والتحالفات أمراً ضرورياً للحفاظ على الهيمنة الأمريكية.
ما تراه هو «براغاماتية أمريكية بحتة»؛ فبينما يمسك فانس بالعصا الغليظة لتهديد إسرائيل وإغراء إيران بالسلام، يمسك روبيو بالجزرة لطمأنة الخليج مع التلويح بذات العصا لإيران لكي لا تطمع كثيراً في المفاوضات.
رابعاً : الموقف الصيني والروسي من البيان الأمريكي الخليجي
لم يصدر عن بكين أو موسكو بيان إدانة مباشر ومكتوب يستهدف البيان الخليجي الأمريكي المشترك بالمنامة بشكل مباشر، لكن ردود أفعالهما وتحركاتهما السياسية والإعلامية الحالية تعكس مواقف واضحة ومتباينة خلف الكواليس حيال طموحات أمريكا لتعديل شروط التهدئة مع إيران، ويمكن تلخيصها في الآتي:
1 - الموقف الصيني: «الحذر البراغماتي وحماية الملاحة»
تتعامل الصين مع هذا التطور بحساسية شديدة لأنها تقع في منتصف المسافة بين أطراف النزاع:
* التغطية الإعلامية المحايدة: قامت وكالة الأنباء الصينية الرسمية (شينخوا) بنشر تفاصيل البيان الخليجي الأمريكي المشترك بدقة، وركزت بشكل خاص على ترحيب الأطراف بمذكرة التفاهم الموقعة برعاية قطر وباكستان.
* حسم ملف مضيق هرمز: ترفض الصين ضمنياً أي تصعيد أو محاولات إيرانية لفرض رسوم أو قيود عسكرية على مضيق هرمز؛ كون بكين المستورد الأكبر للنفط الخليجي والإيراني، وتعتبر سلامة هذا الممر المائي خطاً أحمر لاقتصاداتها.
* رفض الهيمنة الأمريكية: في الوقت ذاته، ترفض الصين قيام واشنطن بفرض شروط أحادية تعيق استثماراتها المستقبلية مع إيران بموجب اتفاقية الشراكة الاستراتيجية بين بكين وطهران.
2 - الموقف الروسي: «استغلال الموقف ودعم طهران»
تتخذ موسكو موقفاً أكثر جرأة وهجوماً ضد التحركات الأمريكية في المنطقة:
* الاصطفاف مع إيران: ترى موسكو أن محاولة وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو إجبار إيران على شروط قاسية تتعلق بنزع سلاح الفصائل هي إملاءات غير واقعية. وتدعم روسيا الموقف الإيراني الذي يرى أن التواجد الأمريكي هو السبب الرئيسي لزعزعة استقرار المنطقة.
* الاستفادة من تشتيت واشنطن: ترحب موسكو بالتوترات السياسية بين واشنطن وحلفائها (سواء الخليج أو إسرائيل)، لأن انشغال الإدارة الأمريكية بضبط توازنات الشرق الأوسط يقلل من تركيزها وضغوطها العسكرية والسياسية على الجبهة الأوكرانية.
3 - النظرة المشتركة للصين وروسيا
تتفق الدولتان على نقطة جوهرية: الإشادة بمذكرة التفاهم (الهدنة) التي وقعها ترامب مع إيران، حيث تعتبرانها إقراراً أمريكياً بفشل خيار الحرب البرية وضغطاً غير مباشر على حكومة نتنياهو. وتريان في بيان روبيو محاولة أخيرة من «صقور واشنطن» لإنقاذ ماء وجه الولايات المتحدة بعد التنازلات التي قدمتها لطهران خلف الكواليس.
خامساً : هل تأثرت المفاوضات الدائرة بين إيران وأمريكا بالبيان
لم يتأثر جوهر المفاوضات أو ينهار المسار الدبلوماسي المعتمد بموجب «مذكرة تفاهم إسلام آباد»؛ فبالرغم من الحرب الكلامية الحادة والبيان الذي صدر من المنامة، أعلن المتحدث باسم الخارجية الباكستانية أن المحادثات الفنية الرسمية بين أمريكا وإيران ستستأنف في موعدها المحدد الأسبوع المقبل (تحديداً في 30 يونيو) بحضور الوسطاء من باكستان وقطر. مع ذلك فإنها لم تستأنف بسبب الهجوم العسكري المتبادل بين الطرفين، وقد أحدث البيان هزّة سياسية غيرت من شكل وتكتيكات المفاوضات خلف الكواليس، ويمكن تلخيص هذا التأثير في النقاط التالية:
1 - تحديد سقف التنازلات الأمريكية علناً
جاء تحذير وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو بأن «الاتفاق لن يكون بأي ثمن» ليضع حدوداً واضحة أمام الموفدين الإيرانيين؛ حيث أبلغت واشنطن الوسطاء الباكستانيين والقطريين رسمياً بأنها لن توقع على «الاتفاق النهائي» الممتد لـ60 يوماً إذا أصرت طهران على فرض رسوم عبور عسكرية في مضيق هرمز.
2 - محاولة إيران لفصل المسارات الدبلوماسية
أبدت طهران مرونة ذكية؛ حيث هاجمت بيان المنامة، لكنها تمسكت في الوقت نفسه بمسار مفاوضات سويسرا برعاية باكستان. وتحاول إيران إيصال رسالة لواشنطن مفادها: «نحن نتفاوض معكم بناءً على مذكرة التفاهم الثنائية الموقعة، ولن نسمح بإقحام المطالب والبيانات الخليجية أو الإسرائيلية الجانبية كشروط داخل قاعة المفاوضات الفنية».
3 - إثارة ملف «مواقع المنشآت المخربة»
استغل «صقور واشنطن» الزخم الذي شكله البيان مع دول الخليج لإعادة الضغط في ملف حساس جداً؛ حيث تطالب إدارة ترامب حالياً بالسماح لمفتشي الأمم المتحدة (الوكالة الدولية للطاقة الذرية) بالدخول الفوري وتفتيش المواقع النووية الإيرانية التي تعرضت للقصف خلال الحرب الأخيرة، وهو ما ترفضه طهران حتى الآن وتعتبره تجاوزاً لما تم الاتفاق عليه في مسودة السلام الأولى.
4 - تحول باكستان وقطر إلى «صمام أمان» لمنع التخريب
تبذل إسلام آباد والدوحة جهوداً مكثفة حالياً لمنع التصعيد الإعلامي من التحول إلى تصعيد ميداني يعصف بالهدنة؛ حيث أجرى الوسطاء اتصالات عاجلة لترتيب «مجموعات العمل الفنية» التي قد تجتمع الأسبوع المقبل لضمان حصر النقاش في ملفين أساسيين: آليات رفع العقوبات المؤقتة، والالتزامات النووية المتبادلة.
البيان الخليجي الأمريكي لم يقتل المفاوضات الباكستانية، لكنه رفع حرارة وخشونة النقاش؛ فقد دخلت أمريكا المفاوضات وهي متسلحة بمطالب حلفائها العرب، ودخلتها إيران وهي تبدي تزمتاً أكبر في ملف التفتيش النووي، مما يجعل من محادثات الأسبوع المقبل معركة دبلوماسية شرسة لإنقاذ مهلة الـ60 يوماً.
سادساً: البيان الأمريكي الخليجي ضربة معلم
البيان المشترك يُعد نموذجاً مثالياً لكيفية إدارة واشنطن للسياسة الخارجية من ثلاث زوايا رئيسية:
1 - تحديد سقف المفاوضات مسبقاً
نجحت أمريكا من خلال البيان في نقله من مجرد «ورقة تضامن خليجي» إلى منصة لتوجيه مسار المفاوضات القادمة في سويسرا:
* تقييد المناورة الإيرانية: بدلاً من دخول المفاوضات لمناقشة التفاصيل الفنية فقط (مثل رفع العقوبات والملف النووي)، فرضت واشنطن ملفات الأمن الإقليمي، والصواريخ، وحرية الملاحة في مضيق هرمز كشروط مسبقة للاتفاق الدائم .
* شرعنة المطالب الأمريكية: يظهر البيان واشنطن أمام المجتمع الدولي والوسطاء (باكستان وقطر) كقوة لا تتفاوض لأجل مصالحها الذاتية فقط، بل تتحدث باسم جبهة إقليمية عريضة تطالب بالاستقرار .
2 - تحجيم المكاسب والمطالب المستقبلية لطهران
استبقت أمريكا أي طموح إيراني لاستغلال مهلة الـ60 يوماً لفرض شروط مريحة عبر وضع «كوابح قانونية واقتصادية» علنية :
* تجميد الاستثمارات سلفاً: البند الذي نص على أن «أي تجارة أو استثمار مستقبلي مع إيران بموجب مذكرة التفاهم سيكون مشروطاً وقابلاً للإلغاء» نسف خطة طهران في استخدام الهدنة لإنعاش اقتصادها فوراً عبر جذب رؤوس الأموال الدولية.
* نزع ورقة الملاحة: إصرار أمريكا والخليج على الرفض المطلق لأي رسوم عبور في مضيق هرمز جرّد إيران من أقوى أوراق الضغط الميداني التي كانت تلوح بها لرفع العقوبات بالكامل.
3 - تعميق الخلافات الإقليمية (تطبيق مبدأ «فرق تسد»)
تأسيساً على ما تقدم، يمكن القول إن بيان المنامة لم يكن مجرد وثيقة تضامن دبلوماسي عابرة، بل كان تأكيداً على إن المشهد في منطقة الخليج اليوم لا يُدار بنوايا الثقة، بل بحسابات القوة والأمر الواقع؛ فقد تحركت العواصم الخليجية بوعي مرن يوازن بين حتمية المظلة الأمنية الأمريكية وضرورة الانفتاح على الشرق. في النهاية، تبرز مهلة الـ60 يوماً والمفاوضات القادمة كاختبار حقيقي لهذه التوازنات المعقدة؛ فالأطراف كلها تدرك أن لغة التصعيد الكلامي ليست سوى غطاء للتأكيد على مصالحها، وأن الشاشات وإن امتلأت ببيانات التراشق، فإن القنوات الخلفية ستبقى تبحث عن تسوية تضمن مصالح الجميع، وتؤكد أن الوعي بالمؤسسية ولعبة المصالح هو الحاكم الأول والأخير لجغرافيا السياسة في منطقتنا.
** **
- خبير مصرفي واقتصادي