إعداد - عبدالله عبدالرحمن الخفاجي:
شهد الفن التشكيلي السعودي في حقبة الثمانينات الميلادية (1980م-1989م) انعطافة فكرية وأسلوبية مغايرة، فلم يعد المشهد مجرد لوحات تُعرض في مناسبات رسمية أو تجارب معزولة في مراسم فردية إنما تحول إلى حراك جيو-فني منظّم يفيض بالحيوية والتنافس والسجال البصري.
في هذا العقد استثمر الفنانون نضج البنية التحتية والمؤسساتية التي تأسست في العقود السابقة والدعم المستمر الذي رسخه الأمير فيصل بن فهد بن عبدالعزيز - رحمه الله - في رعاية الشباب، ليعبروا نحو مرحلة «الجماعات الفنية» التي ولدت من رحم التنوع الجغرافي والثقافي للمملكة، وهو ما رصده النقاد والباحثون بكثير من التقصي في كتب التوثيق الفني المحلي مثل كتاب «مسيرة الفن التشكيلي السعودي» للناقد عبدالرحمن السليمان، وكتاب «تاريخ الفن التشكيلي في المملكة العربية السعودية» للدكتور محمد الرصيص، وكتاب «فن في نصف قرن» للناقد أحمد فلمبان.
وكما هي العادة في قراءة هذا السجل الإبداعي فإن الأسماء والتيارات التي نسلط عليها الضوء في هذه القراءة التاريخية تظل بمثابة «بعض من كل» وإشارات سريعة لنهر فني دافق بمئات الطاقات الفنية التي لا يتسع المجال لحصرها، لكن بصماتها تظل ركيزة أساسية في جدار الحركة التشكيلية السعودية المتجددة.
لغة التكتل: ولادة «الجماعات الفنية» واللامركزية الإبداعية
كانت السمة الأبرز والأكثر تأثيراً في حقبة الثمانينيات هي رغبة الفنانين العميقة في صياغة رؤى تشكيلية مشتركة تتجاوز الأطر الفردية؛ مما أدى إلى ظهور تجمعات فنية رائدة في مختلف مناطق المملكة صنعت ما يمكن تسميته بـ «اللامركزية الفنية». ففي عام 1981م، ولدت «جماعة فناني المدينة المنورة» كإحدى أبرز العلامات الفارقة في ذلك العقد، حيث التف فنانوها حول الروحانية الطاغية للمكان ومظاهره المعمارية والتاريخية والبيئية، وبرزت من خلالها أعمال صاغت خصوصية بصرية مستلهمة من أزقة المدينة ومآذنها، تجلت في تجارب أسماء تركت أثراً عميقاً مثل فؤاد مغربل ومنصور كردي ورفاقهم.
في المقابل، لم تكن بقية المناطق بمعزل عن هذا الفكر التنظيمي، فشهدت المنطقة الشرقية غلياناً فنياً من خلال المعارض الجماعية والتنسيق المشترك الذي فتح قنوات التواصل مع دول الجوار عبر تجمعات «أصدقاء الفن التشكيلي بدول الخليج»، ليتأكد للجميع أن العمل الجماعي أفرز منافسة صحية جعلت من كل منطقة عاصمة بصرية مستقلة تمون النهر التشكيلي الوطني بروافد متجددة.
صراع المدارس: من الانطباعية والتكعيبية إلى نبض الحارة
لم تعد اللوحة السعودية في الثمانينيات تكتفي بالمحاكاة الفوتوغرافية أو التسجيلية البسيطة للواقع إنما تفرعت التوجهات وتداخلت المدارس الفنية العالمية مع الذات المحلية. في هذا العقد حقق التيار الانطباعي قفزة نوعية من خلال الاستفادة من الضوء والألوان الفطرية الصريحة وتجلى ذلك بوضوح في جنوب المملكة، حيث ألهمت الطبيعة البكر والجبال الشاهقة أعمال الفنان عبدالله الشلتي الذي طوع المنجز الانطباعي العالمي لخدمة المشهد العسيري مقدماً لوحات تفيض بالحركة والضوء الكثيف.
وعلى ضفة أخرى، بدأت المدرسة التكعيبية تفرض حضورها عبر تبسيط المساحات واختزال الأشكال، وبرز في هذا المضمار الفنان محمد منيف الذي قدم تجربة متميزة اعتمدت على تبسيط عناصر السوق والحارة الشعبية، محولاً المفردات اليومية التراثية إلى إيقاعات هندسية مبسطة تكشف عن وعي متقدم ببناء اللوحة المعاصرة، والتقى هذا الإحساس الشديد بالمكان والوفاء للبيئة الاجتماعية التقليدية مع تجارب فنانين من مناطق مختلفة، حيث تسابقوا لتوثيق مظاهر الحياة الشعبية قبل أن تطالها يد التغيير العمراني المتسارع.
ثورة الحرف العربي: ناصر الموسى وتأصيل الحروفية
لم يتوقف التجريب عند حدود تشخيص البيئة بل شهدت الثمانينيات نضجاً استثنائياً للتيار «الحروفي» الذي بدأ يتشكل كمدرسة سعودية ذات ملامح عالمية وكان الحدث المفصلي في هذا السياق هو عام 1983م، عندما أقيم أول معرض فردي للحرف العربي في المملكة على يد الفنان ناصر الموسى والذي أعلن عن ولادة تجربة مخلصة ومتواصلة مع الحرف كعنصر تشكيلي صرف، متجاوزاً الدلالة اللغوية أو الوظيفية المباشرة للآيات والنصوص إلى آفاق التجريد اللوني البحت، حيث تذوب الكتابة في المساحة لتصبح حركة وبناءً هندسياً خالصاً، هذا المعرض فتح الباب على مصراعيه لعدد كبير من فناني الجيل الثالث لإدخال التقطيعات الهندسية والوحدات المعمارية والزخرفية مع الحرف العربي؛ مما جعل الحروفية أحد أهم التيارات التي ميزت عقد الثمانينيات.
الحضور النسائي وجيل التمرد الثالث
شهدت الثمانينيات أيضاً قفزة واسعة في الحراك النسائي التشكيلي فلم تعد المرأة السعودية تمارس الفن على هامش المشهد بل أصبحت شريكاً في صياغة تياراته. وفي هذا العقد برزت تجارب متميزة مثل تجربة فوزية عبداللطيف التي تقاطعت مع رائدة الجيل الأول صفية بن زقر في شغفها بالحياة الاجتماعية والتقاليد الحجازية ولكن بفرشاة وتقنية مغايرة، مما أكد على تواصل الأجيال ونضج التجربة النسائية وقدرتها على فرض حضورها في المحافل الكبرى والمقتنيات الرسمية.
هذا الحضور واكبه صعود «جيل الثمانينيات» وهو جيل تخرج جزء كبير منه من كليات الفنون ومعاهد المعلمين محلياً وخارجياً، وجاء بروح أكثر تمهيداً للتمرد والتجاوز. استفاد هذا الجيل من اتساع واجهات العرض التجارية والخاصة التي بدأت تنمو إلى جوار المؤسسات الحكومية. ومن الأحداث المهمة في أواخر هذا العقد هو تأسيس المركز السعودي للفنون بجدة عام 1988م على يد الأميرة نورا بنت بدر والفنانة منى القصيبي. هذا المركز لم يكن مجرد صالة عرض، بل كان نافذة انفتحت من خلالها الحركة السعودية على تجارب عربية وعالمية كبرى؛ مما أتاح للفنانين السعوديين الشباب فرصة الاحتكاك المباشر بمدارس معاصرة وأنعش سوق الاقتناء الخاص لدى النخب الفكرية والاقتصادية.
ختام الحقبة.. نحو آفاق التجاوز
لقد نجحت حقبة الثمانينيات في تحويل الحركة التشكيلية السعودية إلى منظومة متكاملة الأركان، حيث تلاقحت فيها خبرات جيل الرواد والمثابرين مع حماس الجيل الجديد، وصاحب هذا الزخم الإنتاجي وعي تنظيري تجسد في الحوارات والنقاشات المحتدمة التي كانت تضج بها المراسم وصالات العرض.
ومع إسدال الستار على هذا العقد الحافل بالتكتلات والجماعات وتأسيس الصالونات الفنية كانت الحركة التشكيلية السعودية قد ثبتت أقدامها تماماً لتقف على أعتاب مرحلة أكثر راديكالية وتمرداً مرحلة ستقودها التسعينيات نحو التخلي عن الأطر التقليدية للوحة والمسند، فكيف تحول التكتل الجماعي إلى نزوع فردي مفاهيمي؟ وكيف أربك جيل التسعينيات حسابات الأكاديمية المستقرة بمواد وخامات متمردة؟
في مقالنا القادم، سنبحر في حقبة التسعينيات.. حقبة التجاوز والبحث في المجهول البصري.. انتظرونا.
** **
X: AL_KHAFAJII