عبود بن علي ال زاحم
أعلنت الهيئة الملكية لمدينة الرياض إطلاق مبادرة «ساعات العمل المرنة» في خطوة تعكس تحولًا مهمًا في طريقة إدارة العمل داخل الجهات الحكومية، وتنسجم مع التوجهات الحديثة نحو بناء بيئات عمل أكثر كفاءة وجودة.
قد ينظر البعض إلى هذه المبادرات باعتبارها مجرد تسهيلات للموظفين، إلا أن جوهر الفكرة أعمق من ذلك بكثير. فالعمل المرن لا يعني تقليل ساعات العمل أو التخفف من المسؤوليات، بل يمثل انتقالًا من ثقافة تقيس الالتزام بالحضور الشكلي إلى ثقافة تقيسه بالإنجاز وتحقيق النتائج.
تستهدف المبادرة تحقيق عدة أهداف من أبرزها تعزيز انسيابية الحركة المرورية ورفع كفاءة التنقل اليومي وتحسين جودة الحياة، إلى جانب منح الموظفين مرونة أكبر في أوقات الحضور بما ينعكس إيجابًا على التوازن بين حياتهم المهنية والشخصية.
لكن نجاح هذه المبادرات لا يعتمد على تعديل أوقات الدوام فحسب، بل يرتبط بثلاثة عناصر أساسية: وضوح الأهداف ووجود أنظمة فعالة لإدارة الأداء وقيادات تؤمن بالثقة وتمكين الموظفين وتحاسبهم على النتائج.
فالمرونة دون مساءلة قد تضعف الأداء، بينما الرقابة المفرطة قد تفرغها من مضمونها الحقيقي. أما التوازن بين الثقة والمسؤولية فهو ما يصنع التجارب الناجحة ويحول العمل المرن إلى ميزة تنظيمية حقيقية.ومن المهم إدراك أن تطبيق المرونة لا يمكن أن يكون موحدًا على جميع القطاعات والوظائف، فطبيعة الأعمال تختلف وهناك خدمات حيوية تتطلب حضورًا مباشرًا واستمرارية تشغيلية. لذلك فإن العدالة في التطبيق تقتضي مراعاة خصوصية كل قطاع دون الإخلال بجودة الخدمات المقدمة للمستفيدين.
ولكي تنجح الجهات الأخرى في تطبيق هذه المبادرات فإنها تحتاج إلى البدء بخطوات عملية واضحة. تبدأ بتحديد الوظائف المناسبة للمرونة وفق طبيعة العمل، ثم وضع مؤشرات أداء قابلة للقياس، وتدريب القيادات على إدارة الفرق بالنتائج لا بالحضور، والاستفادة من التقنيات الرقمية في المتابعة والتواصل، مع تقييم التجربة بشكل دوري والاستماع إلى ملاحظات الموظفين والمستفيدين للتحسين المستمر.ورسالة إلى القائد: لا تجعل المرونة اختبارًا للثقة بل فرصة لبنائها. حدد التوقعات بوضوح، وامنح فريقك المساحة اللازمة للعمل، ثم حاسبهم على النتائج بعدل وشفافية. فالقائد الناجح لا يقف عند متابعة الحضور والانصراف، بل يصنع بيئة تدفع الناس إلى الإنجاز حتى في غيابه.ورسالة إلى الموظف: المرونة ليست حقًا بلا مسؤولية، بل مسؤولية أكبر تتطلب الانضباط وإدارة الوقت والوفاء بالالتزامات. فكل تجربة ناجحة في العمل المرن تبدأ بموظف يدرك أن الثقة تُكتسب بالمهنية والإنجاز، وأن جودة العمل هي أفضل رسالة يمكن أن يقدمها.
لقد أثبتت التجارب أن الموظف الذي يشعر بالثقة ويمتلك مساحة لإدارة وقته ويُقيَّم بناءً على ما يحققه من نتائج يكون أكثر التزامًا ورضا وإنتاجية.ولعل السؤال الذي تفرضه هذه المبادرة اليوم ليس: هل نؤيد ساعات العمل المرنة أم نرفضها؟ بل هل نحن مستعدون للانتقال من إدارة الوقت إلى إدارة الأثر؟
فالمستقبل لن يكون للأكثر حضورًا في المكاتب، بل للأكثر قدرة على الإنجاز وتحمل المسؤولية وتحقيق القيمة المضافة للوطن والمؤسسة والإنسان. وقد تكون مبادرة ساعات العمل المرنة في الرياض بداية حوار أوسع حول مستقبل العمل في المملكة، وكيف نصنع بيئات عمل أكثر مرونة وإنسانية وكفاءة دون التفريط في جودة الأداء والخدمة العامة.
ولعل أجمل ما في هذه المبادرة أنها تذكرنا بأن الثقة ليست نقيض الانضباط، وأن المرونة ليست عدوًا للإنتاجية، وأن الإنسان حين يُمنح الثقة ويُحاسب بعدل غالبًا ما يقدم أفضل ما لديه.