فائز بن سلمان الحمدي
ليس أشرف ما يطمح إليه المرء أن يُمدح، ولا أرفع ما يسعى إليه أن تُثني عليه الألسن؛ فالثناء ضيفٌ سريع الارتحال، والمديح ظلٌّ يطول حينًا ثم ينحسر. وإنما الغاية التي تستحق أن تُبذل لها الأعمار هي أن يكون للإنسان في الأرض أثرٌ إذا غاب بقي، وذكرٌ إذا انقطع عمره لم ينقطع حضوره.
ولقد استراح كثيرٌ من الناس إلى فلسفة السلامة، فآثروا الوقوف على هامش الحياة، وأحسنوا صناعة الأعذار أكثر من إحسانهم صناعة المواقف. تراهم يرددون: ما شأني؟ وما عليَّ؟ ولِمَ أتقدّم؟ وكأنهم يظنون أن النجاة في قلة التبعات، وأن الراحة في ضيق المسؤولية، وأن العمر يُربح إذا خفّت أثقاله.
وما علموا أن أثقل ما يحمله الإنسان في آخر المطاف ليس ما فعل، بل ما كان قادرًا على فعله ثم أحجم عنه. وأن أشد الندم ليس على مشقةٍ تحملها، بل على مكرمةٍ فاتته، وفرصة خيرٍ مرت به ثم تركها تمضي إلى غيره.
إن الحياة لا تخلّد المتفرجين، ولا تحفظ أسماء الواقفين في الظلال. وما صنعت المجدَ يومًا نفوسٌ كانت تسأل في كل نازلة: من غيري يقوم بها؟ بل صنعته نفوسٌ إذا أقبلت التكاليف قالت: أنا لها، وإذا ادلهمّت الخطوب تقدمت، وإذا تنادى الناس للحاجة كانت أول المجيبين وآخر المنصرفين. وكلُّ منزلةٍ سامقةٍ في الدنيا لها ثمن، وكلُّ مأثرةٍ باقيةٍ وراءها تضحية، وكلُّ ذكرٍ جميلٍ دفنت تحته ساعاتٌ من الصبر، وأيامٌ من المكابدة، وألوانٌ من الإيثار لا يراها الناس. فمن طلب المآثر بثمن الراحة خُدع، ومن أراد المجد بلا مؤونةٍ جهل سنن الحياة.
وما الناس إلا رجلان: رجلٌ استهلك عمره في حماية نفسه من الأعباء، فخرج من الدنيا خفيف الظهر، خفيف الأثر. ورجلٌ أثقلته الواجبات، وأضناه السعي في مصالح الخلق، وتقاسمت أيامه حاجات الناس وآلامهم، فدخل على الله متعب الجسد، عظيم الرصيد. ذلك أن العمر ليس بعدد السنين التي نعبرها، بل بعدد القلوب التي عبرنا إليها، وليس بما أخذناه من الدنيا، بل بما تركناه فيها. فالأنهار لا تُذكر لأنها شربت، بل لأنها سقت. والشموع لا تُخلَّد لأنها أضاءت نفسها، بل لأنها احترقت لتنير لغيرها ومن رزقه الله همةً تتجاوز حدود ذاته، ونيةً صادقةً في نفع عباده، ثم احتمل في سبيل ذلك ما يلقاه من جحودٍ أو تثبيطٍ أو خذلان، فقد ظفر بأحد أسرار العظماء؛ إذ أدرك أن قيمة الإنسان لا تُقاس بما يملك، ولا بما يقول عن نفسه، بل بما يبقى من أثره بعد رحيله. فإذا طُويَت الصحائف، وانقطعت الأسباب، وسكن الضجيج، لم يبق للمرء إلا أثرٌ نافع، أو معروفٌ أجراه، أو كربةٌ كشفها، أو دمعةٌ مسحها، أو بابُ خيرٍ فتحه. هناك يعلم الناس أن أعظم المكاسب لم تكن ما جمعوه لأنفسهم، بل ما قدّموه لغيرهم، وأن أبقى ما في العمر ليس ما عُمر به الجسد، بل ما عُمرت به القلوب.
فازرع من المآثر ما يبقى إذا فنيت، ومن المعروف ما يتكلم عنك إذا سكت لسانك، ومن الخير ما يحضر معك إذا غبت عن الدنيا؛ فإن الرجال لا تُخلِّدهم أعمارهم، وإنما تُخلِّدهم آثارهم.