سلمان بن محمد العُمري
في البدء، يطيب لنا أن نزجي وافر التقدير والامتنان، وجزيل الشكر والعرفان، لرجال مكافحة المخدرات البواسل في المملكة العربية السعودية على جهودهم العظيمة المخلصة المبذولة في دحر هذا الوباء الخطير.
وإننا لنسعد ونفخر بكل اعتزاز بجهود رجال أمننا الأوفياء، كل في موقعه وثغره؛ سواء في جهاز مكافحة المخدرات، أو قطاع سلاح الحدود، أو أمن الطرق، أو غيرهم من رجال الأمن الأشاوس، بل إن هناك من الأبطال من قدَّم روحه الطاهرة رخيصة في سبيل الله ذوداً عن حياض الوطن ومحاربةً لهذا الداء المستطير، وكل هذه التضحيات والجهود الجبارة تُذكر فتُشكر وتُخلّد في سجلات الشرف.
وإن مما يبعث على الفخر والاعتزاز والاطمئنان، ذلك الجهد الاستثنائي الذي نراه ونسمع عنه في الخطوات الاستباقية النوعية المتمثلة في متابعة المهربين والمروجين في بلدانهم، واكتشاف المصانع في الخارج المخصصة لتوريد هذه السموم للمملكة بشكل موجه ومقصود.
ونحمد الله -عز وجل- حمداً كثيراً على أن حمى بلادنا، وحصّن شبابنا وشاباتنا من هذه المحاولات الدنيئة والغادرة، والتي تستهدف المملكة العربية السعودية لا من أجل الكسب المادي الفاحش والربح التجاري فحسب، بل إن هناك أبعاداً ومستهدفاتٍ خبيثة أخرى تقف خلفها أجندات معادية؛ فبلادنا الغالية هي مهد الرسالة السماوية، ومشرق النور الإلهي، ونبض الأمة الإسلامية وفؤادها النابض، وإليها يتجه المسلمون من كل بقاع الأرض في صلاتهم كل وقت، وهي رائدة العالم الإسلامي وقبلته التي تتجه نحوها الأنظار والأفئدة، ومن هنا، فإن أعداء الأمة لا يريدون لها ولا لشبابها الخير والنماء، بل يسعون بكل ما أوتوا من مكر ودهاء إلى تفتيت طاقات الشباب وهدم عقولهم بهذا الداء الوبيل، الذي يأكل الأخضر واليابس، ويقضي على الدين والدنيا، ويدمر الجسد والعقل والقلب، ويفرق الجماعات والأفراد، مسبباً الفرقة والشتات والفقر والمشكلات الأخلاقية والاجتماعية التي ينعدم معها العقل وتذهب بها المشاعر والأحاسيس الإنسانية السوية.
وفي هذا السياق، عندما واصلت الجهات الأمنية تطوير قدراتها التقنية والميدانية، والاستفادة القصوى من التقنيات الحديثة وأدوات الذكاء الاصطناعي، كان لذلك الأثر الواضح الجلي والملموس في تطوير عمليات الرصد والتحليل والمتابعة، بحسب ما أكدته القيادات الأمنية، مما أسهم بشكل مباشر في تعزيز كفاءة العمل الأمني ودعم الجهود المباركة الرامية إلى حماية المجتمع وتحصينه، ولا شك أن التطوير المستمر والتجديد في كل عمل هو مطلب حيوي ومهم في الحياة العامة، ولكنه فيما يتعلق بأمن الوطن وسلامة أهله يصبح ضرورة حتمية لا تقبل التراخي، خاصة أن أعداء الدين والوطن لا يتوانون أبداً عن اتخاذ أساليب وطرق ماكرة وخبيثة، وبالذات في محاولاتهم لإدخال المخدرات والسموم لوطننا الغالي، الذي يقف لهم بالمرصاد بكل حزم وقوة وثبات لا يلين.
إن المخدرات ليست مجرد داء عابر أو مشكلة اجتماعية فحسب، بل هي حرب منظمة ومدمرة للأمم والشعوب، ومجتمعنا مستهدف استهدافاً مباشراً في قدراته الأساسية وفي طاقة شبابه الذين هم عماد المستقبل؛ ولا أدل على ذلك الاستهداف من كميات المخدرات الهائلة التي يتم إحباط تهريبها بين الفينة والأخرى من قِبل الجهات المختصة في الجمارك أو مكافحة المخدرات، والتي تكشف عن وقوف عصابات دولية منظمة تقف وراء هذا الغرض التدميري.
وإن ما تقوم به القطاعات الأمنية المختلفة يمثل جهداً مشهوداً ومشكوراً، يسير جنباً إلى جنب مع عمل الأجهزة الحكومية الأخرى، وجهود المؤسسات الدينية والتربوية والإعلامية المساندة في مجالات التوعية والوقاية والتحذير من أضرار المخدرات، ولكن التحدي الحقيقي يكمن في أن المخدرات ليست داءً سهلاً يبرأ بسرعة وتزول آثاره بمجرد العلاج، بل هو داء عضال مزمن، وحرب دائمة ومستمرة تتطلب منا جميعاً أعلى درجات اليقظة والحذر، والاستعداد التام، وإعداد القوة والعتاد لمواجهة القائمين على هذه الحرب؛ ليس فقط داخل حدود بلادنا، بل وفي عقر دارهم، وهو الإنجاز العظيم الذي تم تحقيقه في أعمال ومستهدفات كثيرة ولله الحمد والمنة.
لذا، فإنه لا بد من تكاتف وتكامل جهود الجميع، بدءاً من المؤسسات الرسمية والأهلية وصولاً إلى الأفراد والجماعات، لوقاية أبنائنا وبناتنا من هذا الخطر المحدق الذي يهدد مستقبل الأمة والمجتمعات، ويستنزف جانباً كبيراً من مواردها المالية وإمكاناتها البشرية الثمينة، وقد طالبتُ في مقالات صحفية عدة، وفي كتاب سابق أعددته بعنوان: «وباء المخدرات وخطره على الصحة والمجتمع»، بمجموعة من المقترحات كان من أبرزها دعوة رجال الأعمال والشركات والمؤسسات التجارية الوطنية للإسهام الفاعل - ضمن مسؤولياتهم الاجتماعية - في التوعية بأضرار المخدرات والمكافحة، من خلال دعم برامج التوعية الشاملة عبر وسائل الإعلام والاتصال المختلفة بالتنسيق مع الجهات المعنية، وألا نكتفي في هذا المضمار بأيام أو أسابيع توعوية موسمية فقط، بل يجب أن تكون الحملة مستمرة ومستدامة لمواجهة هذا الوباء الخطير، كما أن هذا الواجب الوطني لا يعفي أولياء الأمور بحال من الأحوال من المسؤولية الأولى الملقاة على عواتقهم في توعية أبنائهم، ومتابعتهم الدقيقة، وتحذيرهم من رفقاء السوء الذين يجرونهم جراً إلى مستنقع المخدرات المظلم؛ فإذا نجحنا في تحصين أبنائنا داخلياً من هذا الداء، فلن يجد البائع أو المروّج من يشتري منه أو يسوق له هذا الوباء، ومن ثم يجب علينا العمل بالتوازي على مسارين متلازمين: مسار الوقاية أولاً كخط دفاع أساسي، ومسار المكافحة والعلاج ثانياً، ولا يخفى على كل متابع أن ثمن العلاج قد يكون باهظاً ومكلفاً للغاية، وهذا ما لمسناه وعايشناه ليس في الخسائر المادية الفادحة فحسب، بل في الفواجع المجتمعية من حوادث طلاق وقتل وخطف واعتداء آثم على الأرواح والأعراض، وهو ما سمعنا عنه كثيراً من مآسٍ تسبب فيها المتعاطون للمخدرات لغيرهم، وقد ينتهِي بهم الأمر إلى قتل أنفسهم نتيجة استلاب عقولهم بالكامل.
وختاماً، تجدر الإشارة إلى ثمة ثغرات خطيرة تطل برأسها عبر بعض وسائل التواصل الاجتماعي، وبعض الألعاب الإلكترونية المنتشرة بين أيدي الناشئة والشباب، والتي تُستغل أحياناً كأدوات مبطنة للتمرير والتسويق؛ مما يفرض ضرورة حتمية لمتابعتها ومراجعتها بدقة من قِبل الأسر والجهات ذات العلاقة لضمان حماية الجيل الجديد وتجفيف منابع الانحراف.
حفظ الله بلادنا المباركة وأهلها من شر الأشرار وكيد الفجار، وأدام عليها أمنها واستقرارها وعزها رفيعاً شامخاً.