د.عادل بن علي الغامدي
في زحام الجماعات البشرية، وفي غابات تفاصيل العلاقات بين أفرادها، تكمن أنظمةٌ خفية خلف تلك التفاصيل؛ فالناس لا يتراكمون هكذا من غير أنظمة دقيقة تحكم تعاملاتهم وطريقة عيشهم. إنه نوع من العيش الخلّاق الذي يُظهر إعجاز هذا الجنس الحي وتفوّقه ونبوغه.
إن السير في طرائق توصيف هذه العلاقات، ومحاولة فهمها، يقوداننا إلى استكشاف ميادين واسعة وطريفة، ويقرّباننا من فهم الطبيعة البشرية وخصائصها النوعية، وهي معرفة ثمينة تساعدنا على فهم أنفسنا ومعالجة تلك الاختلالات التي ما تفتأ تظهر في نسيج هذه العلاقات. ولو أردنا تصنيف الناس بحسب طريقة تدافعهم في هذه الحياة، لظهر لنا صنفٌ متميز لا تكاد تخطئه العين، وهم: المنتظرون.
والانتظار صفة حميدة؛ إذ يقترن بالصبر والتحمل ومنطق بناء الخطط والأهداف. إنه نوع من الالتزام ينبئ بطريقة معينة توصل إلى نتائج مقدّرة ومرغوبة، وهو يندرج عادة ضمن شروط النجاح ومخططاته؛ فلا نجاح من دون صبر وانتظار. إن الانتظار فضيلة تهذّب الروح وتحملها على القناعة؛ ففيه حبسٌ لشهوات النفس وربطها بوعود مستقبلية. وفي المقابل، يظهر الإنسان المتخفف من قيود الانتظار في موضع العاجز الضعيف أمام شهواته ونزواته؛ فهو السادر في حياته من غير قيود الحبس ومواعيد الصبر والانتظار، يعيش يومه وحاجاته من دون الوقوف في طوابير الوعود.
وحتى نستطيع المقارنة بين الحالين وفهم طريقتهما، لا بد أن نعود قليلًا إلى الشكل المنطقي الذي تتأسس عليه فضيلة الانتظار؛ فالإنسان يسير في حياته وفق ثنائية منطقية: العمل والجائزة. فمنذ القدم، يربط الإنسان عمله وجهده، وما يثقل عليه، بجائزة مستقبلية تهواها نفسه، فيستطيع بذلك المضي في حياته وتحقيق أهدافه وبلوغ غاياته الصعبة. وهي ثنائية مؤسِّسة لكثير من نماذجنا الثقافية والاجتماعية؛ فخطاباتنا الأخلاقية والقيمية والذرائعية تنهض بها وتستند إلى منطقها، بل إن الخطاب الديني لا يُفهم من دونها؛ فلا عمل بلا جائزة، ولا جائزة بلا عمل.
إن تنظيم هذه المبادئ وربطها بطريقة الإنسان في أنماط حياته، وتداخلها مع نماذجه وثقافاته، يحتاج إلى ترسيخ الصبر بوصفه فضيلة لا غنى عنها؛ فهو الرابط بين العمل المضني الطويل والجائزة المرجوة.
إن الانتظار هنا يتحول إلى وسيلة في غاية الأهمية؛ فهو الطريق الذي يوصل الناجحين إلى أهدافهم، وهو السلوك البشري الذي يشي بقدرة الإنسان على الصبر للوصول إلى ما يبتغيه. وهذه الممارسة العقلية المقصودة تتحول إلى هوية اجتماعية تُبنى بها المجتمعات، وتُنظَّم بها علاقات الجماعة البشرية، وتقوم عليها مظاهر العمران. فالوظيفة صورة من صور الانتظار؛ نحبس فيها أنفسنا ونصبر حتى نهاية الشهر لننال الجائزة، والعبادة صورة أخرى من صور الانتظار للوصول إلى الغاية الكبرى الموعودة، وكذلك الصبر على تربية الأبناء، والتمسك بالأخلاق، والالتزام بحياة صحية، وسنوات التعلم، وفصول الدراسة؛ كل ذلك انتظار وصبر نرجو من ورائهما بلوغ الغاية.
ومع تراكم هذه الصور، والإلحاح على هذه الفضيلة، يتحول الانتظار تدريجيًا إلى نمط مبالغ فيه، حتى تغدو الحياة يلتهمها الانتظار، ولا تمثل الجوائز فيها إلا مساحة ضئيلة. فنصبح جماهير من الصابرين المنتظرين، نخترع جوائزنا في كل مرحلة عمرية؛ لنشد أنفسنا إليها في رحلة من الصبر والانتظار، نربي فيها أنفسنا على حبس الرغبات وتأجيل الاستمتاع والراحة، لندخر كل ذلك إلى ساعة الوصول، حين نقطف ثمار التعب وننعم بالجائزة.
وحتى لا يبدو مقصدي ضبابيًا أو مشوشًا، أعيد التأكيد على أهمية الانتظار في تنظيم حياة الإنسان وبلوغه غاياته وأهدافه، ولكني أشير إلى نمط منحرف يبالغ في الأخذ بهذه الفضيلة، فيحولها من وسيلة إلى غاية، وتغدو الجائزة عنصرًا وظيفيًا مكمِّلًا للحياة، لا غاية في ذاتها.
لقد تشوشت خطابات الإنسان، وارتبك كثير من نماذجه القيمية؛ نتيجة التدافع المحموم نحو غايات جديدة لم يألفها، وتعقّد خطاباته الثقافية، واحتدام المنافسات والمقارنات في مجتمعه، وكثرة التقنيات التي أوصلتنا إلى نتائج مذهلة، وشيوع الأنماط الاستهلاكية وتوحشها. كل ذلك حوّل الخطابات التربوية إلى صوت ملحّ يبالغ في الدعوة إلى أن يحرق الإنسان نفسه من أجل العمل، وأن يربي نفسه على الصبر والانتظار؛ فالجائزة ستأتيه -لا محالة- في مرحلة عمرية قادمة.
وهكذا تحولت حياة الإنسان إلى سلاسل من الصبر والانتظار، وامتلأت خيالاته بوعود الوصول، فأحرق حياته وأثمن سنوات عمره في مطاردة غير عادلة لغايات مصنوعة من السراب. فهو لهاث فوق لهاث، وصبر يختلط بصبر، يشي بطوابير المنتظرين وزحام المتعلقين بأهدافهم، وقد فاتهم من العمر الكثير، ليكتشفوا، في مرحلة متأخرة، أن الحياة الحقيقية لا تبدأ عند بلوغ الجائزة، كما صُوِّر لهم، وإنما هي تلك الرحلة الطويلة نفسها، ولا بد أن يعتني الإنسان بهذه الرحلة أكثر من عنايته بالجائزة في نهايتها.
إن هذا المسار المشوش، الذي كرسته الخطابات التربوية الحديثة، وتسرّب إلى آدابنا وقيمنا، من أن قيمة المرء وخيريته تكمن في قدرته على الانتظار ومداومة الصبر، يكشف عن خلل كبير في فهمنا لطبيعة الإنسان وأسباب سعادته الحقيقية. فما المغزى من أن يحرق الإنسان أجمل مراحل حياته صابرًا منتظرًا؛ ليرتاح في آخرها؟
وتظهر هذه الاختلالات بوضوح عند الناجحين والواصلين والأثرياء، الذين ظنوا أنهم امتلكوا أسباب الراحة وفازوا بسر السعادة، فإذا هم كمن فقد أمتعته أثناء السفر، فلم يعد للمتعة معنى.
ومن أهم اختلالات هذا المسار المشوش مفهوم تأجيل السعادة والراحة، وكأنهما صندوق نؤجل فتحه إلى مرحلة متقدمة من العمر، وهذا غير دقيق؛ فالسعادة مرتبطة بمرحلتها العمرية، ولا معنى للبحث عنها بعد انقضائها، وما كان يمنحك السعادة في شبابك لن يعود كذلك.
ومن مظاهر الاختلال أيضًا الارتباك في تحديد الهوية الإنسانية ذاتها؛ فهل الهدف من الانتظار هو الوصول إلى لذة الجائزة؟ أم أن الإنسان يتلذذ بالصبر ذاته، فينشد الانتظار لذاته؟ وهذا مشاهد في حياتنا؛ فبين أصدقائنا أناس ألِفوا الصبر وحبس النفس، وأصبح ذلك مصدر راحتهم؛ نتيجة التربية الطويلة على ضرورة الانتظار، كالتاجر العصامي الذي حبس نفسه طوال حياته، فلما أراد الاستمتاع بما جناه، وجد أنه فقد الرغبة والشغف، فأضحى حائرًا مكتئبًا، وكأنه خُدع في أثمن ما يملك: سنوات شبابه وزهرة حياته.
ومن مظاهر الاختلال أيضًا تضخيم الجوائز نتيجة الإلحاح في ترقبها وطول انتظارها؛ فبسبب طول الانتظار وصعوبته، يضخم عقل المنتظر الجائزة حتى تغدو السعادة الأبدية والحل السحري، فإذا وصل إليها وجدها دون ما كان يرجو ويؤمل، فيصاب بالإحباط ويغرق في خيبة الظن.
ومن الاختلالات أيضًا تربية النفس على التسويف، وترسيخ منطق المراحل الزمنية المتعاقبة في المجتمعات، وهو أمر جلل؛ فلا يُنتظر من الشاب إلا أن يعمل ويصبر ويحبس نفسه، ولا يُتوقع من كبير السن إلا أن يرتاح ويتمتع من غير عمل أو التزام. وقد يبدو هذا منطقيًا للوهلة الأولى، لكنه -في نظري- يخالف في بعض حالاته طبائعنا البشرية؛ فقد يحتاج المسن إلى العمل ليشغل نفسه، وقد يحتاج الشاب إلى الاستمتاع بشبابه حتى لا يحرق أجمل ما وهبه الله.
إن الوصفة المعتدلة والمتوازنة هي ما أنادي به؛ فقد أنكر نبينا صلى الله عليه وسلم على أولئك الذين اختاروا العمل الدائم من صوم وسهر وتركٍ للزواج، ووجّههم إلى ضرورة الموازنة بين العمل والاستمتاع. فلا بد للإنسان أن ينتظر ويصبر، ولكن من غير مبالغة، وأن يجعل في حياته مساحات للمتعة، وأن يعتني بفرحه في جميع مراحل حياته؛ فما مضى من العمر لن يعود.