أ.د.عبدالله بن أحمد الفيفي
انتهى بنا المساق الماضي مع (ذي القُروح) إلى أنَّ أرباب التيَّار، الذي يُسمَّى ليبراليًّا- وهو في الأكثر لا من الليبراليَّة في شيء ولا من الأدب، بمقدار ما هو في صراع نفسيٍّ واجتماعيٍّ مؤدلَج- يُقدِّم مواعظه؛ فهو واعظٌ، بدَوره، ومن وجهة مَيله ونظره، أو قُل: هو داعيةٌ أيديلوجي. ذلك أنَّ أدعياء الحُرِّيَّة، والليبراليَّة، والعلمانيَّة، العَرَب منهم بخاصَّة، قد يعجبك خطابهم نظريًّا، لكن سرعان ما تكتشف أنه خطاب أُصولي مسيَّس أو مؤدلَج، كخطاب غيرهم، فلا حُريَّة هنالك ولا ليبراليَّة ولا علمانيَّة! لأنَّ هؤلاء كأولئك، أبناء البرمجة التربويَّة نفسها، التي ترَى: أنْ لا مكان في الوجود إلَّا للكراسي الأصوليَّة؛ ومن ثَمَّ فلا سبيل إلَّا بالانتقال من كرسيٍّ أصوليٍّ إلى آخَر! قلتُ:
ـ وبمناسبة مصطلح (العلمانيَّة)، هل ظلَّ له من معنى في عالمنا العَرَبي؟
ـ اضطرب العَرَب في ترجمة مصطلح (العلمانيَّة) اضطرابًا واسعًا، في مقابل المصطلح الإنجليزيSecular ، علماني، وSecularism، علمانيَّة. والشائع أنه يعني العِلميَّة، بكسر العَين، أي: عدم الإيمان إلَّا بالعِلم، وما يدلُّ عليه. على حين أنَّه يشير إلى الدُّنيويَّة، واللَّا دِينيَّة، أو عدم المبالاة بالدِّين ومقتضياته.
ـ كان بإمكان مترجم هذا المصطلح أن يختار مفردة أخرى بعيدة عن ذلك اللَّبس في المصطلح العَرَبي، يشير إلى التجرُّد من العواطف الدِّينية.
ـ ولاسيما أنَّ كلمة (Secular) تبدو كأنَّها كلمة عَرَبيَّة!
ـ كيف؟
ـ لأنَّها تشير إلى السَّكِّ، وهو السَّد، مثل الصَّك. حتى إنَّ الناس باللَّهجة المِصْريَّة يصفون الإنسان غير المبالي بأنه: «راجل سَكَّة»، وحين تسألهم عن معنى هذه الكلمة، يقولون: معناها أنَّه «أيّ كلام»! والعلماني كذلك؛ لا يقيم وزنًا لا لدِين ولا لقيم اجتماعيَّة مرعيَّة. ومن ثمَّ، يَصِحُّ القول إنَّ العلمانيَّ: رجل سَكَّة، مُنْسَكٌّ/مُنْصَكٌّ عن سِوَى مصالحه الدُّنيويَّة.
ـ هل نقول (السَّكَّة Secular) و(السَّكِّيَّة Secularism)، بدل (العلماني) و(العلمانيَّة)؟
ـ سبق السيف العذل! أمَّا بشأن الرواية العَرَبيَّة، التي كانت منطلق هذا النقاش في المساقات السابقة، فالحقُّ أنَّ معظمها ليست بأدبٍ، أصلًا، بمقدار ما هي مطايا لمواعظ فكريَّة، واجتماعيَّة، وأيديولوجيَّة. بل معظم كاتبيها لا يُحسنون قواعد العَرَبيَّة! فأيُّ أدبٍ ذاك؟!
ـ باتت الركاكة تُنعَت بالتجديد، والعِيُّ اللُّغوي يوشَّح بوسام الحداثة، والعُجمة توصف بالطليعيَّة، والسُّوقيَّة تقدَّم في زِيِّ التنوير والإبداع.
ـ في وقتٍ تُنعَت اللُّغة العَرَبيَّة السليمة والرصينة بأنها لُغة اتباعيَّة تقليديَّة. ولا عجب، فالمعوَّق يعاني من نزوع قَسْريٍّ نحو الدفاع عن شعوره بالنقص، بمهاجمة الأسوياء، في حالة نفسية من (الإسقاط Projection)، بالمفهوم (الفرويدي). وأيُّ عُجمةٍ أشدُّ من نصٍّ متفرنس، على سبيل النموذج، تكاد لا تفهم منه شيئًا، يأتيك بعنوان «ليلة الفلق»، لمستغرب عَرَبي؟! صاحبه قطعًا لا يُحسِن اللُّغة العَرَبيَّة، بدليل كتاباته ومؤلَّفاته، ثمَّ بدليل آخَر تجده من لقاءاته المسجَّلة، حتى إنَّه في بعضها قد يسأله المحاور باللُّغة العَرَبيَّة فيجيب بالفرنسيَّة!
ـ لماذا لا يكتب هذا بالفرنسيَّة، إذن، ليُترجَم عمله إلى العَرَبيَّة، إنْ كان حريًّا بالترجمة أصلًا؟ بدل أن يكتب بلغةٍ، لا أعجمية ولا عَرَبيَّة!
ـ هذه حال العَرَب مع لغتهم اليوم! وهو يوم، كما قال الشاعر: «مثل سالفةِ الذُّبابِ»! لا لقِصَره وطِيْبِه، بل لقِصَره وطِيْنِه، المطيِّن بستين طِينة!
ـ حال استلابٍ مخجل، وعبوديَّةٍ حُرَّةٍ للغرب والشرق. غير أنَّ الغرب أوَّلًا، وهو أَولى؛ من حيث هو سيِّد الأمس واليوم والغد!
ـ لذا حينما تزور عاصمة عَرَبيَّة، لا تستطيع تمييز هويَّة أهلها، لولا كتابة اسمها بالحروف اللاتينيَّة على مدخلها في المطار. يظن هؤلاء المساكين أنهم سيصبحون كالغرب حضارة ماديَّة إنْ تحدَّثوا بلغةٍ غَرَبيَّةٍ مكسَّرة، وإذا مَلؤوا شوارعهم بلوحاتٍ بالحروف اللاتينيَّة، بألسنة مستعمريهم في القرن العشرين والحادي والعشرين، فسمَّوا «وسط البلد»- كما كنا نسمِّيه أيَّام الجاهلية العَرَبيَّة- مثلًا: Downtown! لتشعر، أيُّها المواطن العَرَبيُّ المغلوب على لُغته، أنَّك تعيش في عاصمة التُّجار الأوباش (منهاتن)!
ـ لماذا هذا المنحدَر؟
ـ لأنَّ هؤلاء لا يدركون مَن هم؟ هذا إن كانوا عَرَبًا حقًّا! ولا يَعُون إلى أيِّ أُمَّة ينتمون؟ ولا أنَّ من يحاكونه لا يحترمهم، بل يزدريهم، وينظر إليهم كعبيد خانعين بالفعل، ثقافيًّا وعُنصريًّا. لكنَّهم يستمرؤون هذا وذاك. وستراهم يحاربون مَن يسعَى إلى إيقاظهم لتحريرهم من العبوديَّة. وهذه طبيعة راسخة دلَّ عليها التاريخ. فقديمًا قيل إنَّ المستعبدين في (الولايات المتَّحدة الأميركيَّة) رفضوا المحاولات التحريريَّة في عهد الرئيس الجمهوري (أبراهام لينكلون، - 1865)، الذي مات اغتيالًا، عن 56 سنة. وبدل أن يثوروا لتحرير أنفسهم بأنفسهم ثاروا ضِدَّ لينكلون لاستبقاء عبوديَّتهم. لأنَّ الحُرِّيَّة مسؤوليَّة، والعبوديَّة زريبة، يعيش فيها المستعبَد كدابَّة، يأكل ويشرب مجانًا، وربما يتكاثر أيضًا، وسوف يذبحه سيِّده متى شاء، ولكن ربما لم يشأ، فمنَّ عليه بالحياة وأعفاه من سكِّينة عيد الفِصح أو عيد الذَّبح الكبير. أمَّا الحُرِّيَّة، فمسؤوليَّة، وأمانة، ومواجهة، وتهديدٌ دائم. «لولا المشقَّة سادَ الناسُ كلُّهم»، كما قال جدُّك (أحمد بن الحسين)!
ـ أكثر من هذا أنَّ التردِّي اللُّغوي قد طال لغة التواصل مع الآخَر، ترجمة منه وإليه!
ـ التخلُّف بنية واحدة! نعم، لقد تردَّت الترجمة اليوم بتردِّي اللُّغة العَرَبيَّة والناطقين بها، إنْ كانوا ما زالوا ناطقين. غير أنها أفضل حالًا في غير عالمنا العَرَبي، وتلك مفارقةٌ دالَّة! وإنْ شِئتَ شاهدًا على هذا، فما عليك سوى موازنة ترجمات بعض القصص العالميَّة، كقصص الروسي (أنطون تشيخوف)، نموذجًا، منشورةً في بعض المجلَّات العَرَبيَّة، خلال العقود الأُولى من القرن العشرين، مثل «المقتطف»، أو «الرسالة»، وغيرهما، بترجماتٍ لاحقةٍ للقاصِّ نفسه أو غيره، تكاد لا تفهم منها شيئًا؛ لأنَّها مكتوبة بلغةٍ شوهاء، لا عَرَبيَّة ولا أعجميَّة! وما تَردِّي الترجمات في العقود الأخيرة إلَّا وليد عاملين: تردِّي اللِّسان العَرَبي، وتحوُّل الترجمة في معظمها إلى تجارةٍ صِرف، كأكثر الأشياء في حياتنا اليوم. مع أنَّ المترجِم يأتيك مُقْعَنْسِسًا بأعلى الشهادات الجامعيَّة العُليا، ومدجَّجًا بأسمَى الألقاب، فيما عمله، ترجمةً، لا يدل على شيء ممَّا يدَّعي، بل هو، بالأحرى، لا يرقَى إلى مستوى ترجمة تلميذٍ كسولٍ في أحد أقسام اللُّغات والترجمة المتواضعة! وأفدح من هذا، أن تقرأ كتابًا في «تاريخ الأدب العَرَبي» لأستاذٍ جامعيٍّ، عمل- إلى أن توفي بجلطةٍ لُغويَّة- في أحد أقسام اللُّغة العَرَبيَّة في جامعة من جامعاتنا «العريقة»، فإذا أنت تقف على ما لا يصدِّقه عقل من الأخطاء اللُّغويَّة والأسلوبيَّة، وربما النحويَّة، التي لا تُقبل من طالبٍ في ذلك القسم. فما أعجب حالنا وحال اللُّغة العَرَبيَّة في عالمنا العَرَبي البائس!
ـ لماذا ظلَّ العَرَب في تخلُّفٍ مطَّرد، خلال قرنٍ واحدٍ، وغيرهم استمرَّ في تقدُّم مطَّرد، أو في أسوأ الأحوال في سكونٍ وثباتٍ على ما هو عليه؟!
ـ والَّذِي حَارَتِ البَرِيَّةُ فِيهِ
حَيَوانٌ مُسْتَحْدَثٌ مِنْ جَمَادِ!
تلك مسألة مركَّبة، ذات أدواء بنيويَّة، داخليَّة وخارجيَّة. سأحكي لك سالفتها في المساق المقبل، إنْ شاء الله.
* مرفأ:
أَرَى هـذا الزَّمَـانَ أَبـًـا وأُمـًّـا
وأَشْبَـهَ بِالفَـتَى عَمًّـا وخَالا
وقِـيْمَةُ كُـلِّ جَارِحَـةٍ جُـرُوْحٌ
تَبَـسَّـمُ بَـرْقُـها فِـيْـنا خَيَـالا
ولَوْلا غِـشُّ نَفْسِكَ، يا جَهُوْلًا
لِنَـفْسِكَ، ما انْطَفَأْتَ فَـتًى سُؤَالا
وكَمْ ذَا غَـشَّ مُهْـجَـتَـهُ أَمِـيْنٌ
ونَـارُ جَـهَنَّمٍ تَـفْـلِـيْ القَـذَالا!
فلا تَسْمَعْ إلى مَنْ صَاحَ: «إِنِّي...»،
وقِفْ وارْفَعْ لِـوَا «إِنِّي» النِّضَالا
تَـمِيْـدُ طُـلَـى الدَّعَـاوَى كالزُّرَافَـى
وتَـقْصُـرُ فـي تَطَاوُلِـهَا فَـعَـالا
فلا تَعِدَنْ ، فإنَّ الوَعْـدَ وَغْـدٌ
إذا جَابَلْـتَـهُ اقْـتَـادَ الجِـبَـالا
ووَعْـدُ الحُـرِّ يَمْلِكُـهُ كَعَـبْـدٍ،
وحُـرًّا باشِقًا يَـخْفِـيْ المُحَالا!
** **
- (العضو السابق بمجلس الشورى - الأستاذ بجامعة الملِك سعود)