رقية نبيل عبيد
قصصٌ تلحق قصصًا تترا، فما تكاد تنتهي قصةٌ إلا ولها ذيلٌ تعض عليه بالنواجذ القصةُ التي تليها.
قصصٌ عن ملوكٍ وتيجان، وعقودٍ من اللؤلؤ والذهب والزمرد والزبرجد، وأحجارٍ كريمةٍ ما سمعتُ بها في حياتي!
قصصٌ عن أمراء وشبّان، وغيلانٍ وعفاريت، ورجالٍ وملوكٍ وأبناء ملوك، وكأن عامة الشعب لا يصلحون مادةً للقصص، فضلًا عن نساءٍ خائنات؛ الكثير والكثير من النساء الخائنات. نساءٌ خُنَّ الرجال، والعفاريتُ خُنَّ حتى الحجر! وكل هذا والسحر جزءٌ أصيل لا يُستأصل من قلب القصص ولبِّها؛ سحرٌ يحيل الخائنات إلى نعاج، ويحيل الرجال إلى صخور، ويحيل شعوبًا بأكملها إلى أسماكٍ ذهبية وبيضاء!
ذكرتني هذه القصص بالسندباد القديم وحكاياته مع العفاريت والجن. وبعض القصص مرعبةٌ بحق، وسرُّ رعبها ليس أنها خيال، بل العكس؛ إنها واقعية كل الواقعية، وقريبةٌ إليك غاية القرب. فالجن والعفاريت موجودون بحق في قلوب الأدغال وتجاويف الكهوف المنسية. وقصةُ شابةٍ حسناء تستجديك أن تصلها بأهلها، ثم تُدخلك إلى مغارةٍ بهيمية الظلمة، لتجدها قد اشرأبت، واستطالت، وتحولت إلى غولة، وقد أتت عيالها بالبشرى: «هذا فتى سمين لذيذ!». وهذه ليست إلا واحدةً من فصول الرعب التي يزخر بها هذا الكتاب، بل هي مجرد أول سطرٍ منه فحسب!
وكل هذا وأنت، من حيث لا تدري، قد أُلقيت عليك تعويذةٌ ساحرة، مختلفة تمامًا، شدتك إلى الكتاب، وجذبتك إليه، وألصقتك به التصاقًا، فلن تستطيع منه فكاكًا، مهما حاولت.
لفتت نظري لغة الكتاب؛ فبرغم أنها مكتوبة بعربيةٍ فصحى أخّاذةٍ رائعة، فإنها شديدة السهولة والقرب معًا، لا تشذ بك قط عن الحكايات التي تنهمر فوق رأسك كالمطر، ولا تأخذك لفظةٌ واحدة بعيدًا عنها. بل إن كثيرًا من الكلمات يشبه العامية، وما ذلك إلا لأنها، في حقيقتها، فصحى خالصة، لكنها ما تزال متداولة في لغتنا الدارجة.
ولفت نظري كذلك ارتباط الشخصيات بعبادة الله الواحد الأحد، وذكرها اسم الله في كل حينٍ وحال؛ تدعوه عند الكرب، وتحمده عند انكشافه. وهو عاملٌ كبير، بل لعله أكبر العوامل على الإطلاق، في تقريبك من الشخصيات، برغم غرابة أحوالها، وبُعد مآلاتها عنك.
وكل هذا يأتي في إطار قصةٍ واحدة تلف، كشال الحاوي الضخم، هذه القصص كلها في جعبتها؛ قصة شهرزاد الحكيمة، التي تستبقي حياتها، وتدفع موتها دفعًا، وتركله ركلًا إلى عتبة الفجر التالي بحكايةٍ إثر حكاية. وهذا يمنحك تفسيرًا مميزًا، بل ومنطقيًا، لتتابع القصص وكثرتها وعدم ارتباطها؛ فليست القصة هي التي تهم إطلاقًا، وإنما استمرارها، والأهم قدرتها على التشويق بما يكفي لإقناع الملك بأن تتمتها أهم، بكل الأحوال، من رأس جميلةٍ مقطوعة العنق في الصباح!
وهكذا تتوالى الليالي، كعقدٍ مفروط، سريعةً تترا، وتتراكم الأيام حتى تصير أشهرًا، وتستطيل الأشهر حتى تغدو سنوات، وشهريار مفتون، فيما يبدو، بالحكايات والحكَّاءة معًا!
وفي رأيي، فإن كون هذا الكتاب مجهول المؤلف عنصرُ جذبٍ لا يقاوم؛ حكاياتٌ مأخوذة من تراثٍ فارسي وهندي وعربي، ممزوجة معًا على لسان حكَّاءةٍ واحدة. تخيل! ليس الأمر أن الكتاب قديمٌ شديد القِدم فحسب، بل إن أيادي كثيرة، متعددة الهويات والأنساب والأزمنة، تناولته صفحةً صفحة، فألهمها المزيد، فزادت وأضافت، حتى غدا بأعجب ما قد يتفتق عنه ذهنُ بشر.
غير أن من يقلب صفحات الكتاب لا يكاد يتخيله ناتجًا عن أي ذهنٍ غير الذهن العربي الفصيح الأصيل؛ فالأشعار، والقصص، والحكايات، كلها مستلهمة من قالبٍ عربي إسلامي، وقد يرجع ذلك إلى أن أكثر قصص هذا الكتاب أُلِّفت إبان العصر الذهبي للحضارة الإسلامية.
هذا الكتاب فرصةٌ لأن تجد نفسك وقد أُقحمت فجأةً في تجويفٍ منسيٍّ من تجاويف التاريخ والزمن؛ ثغراتٍ لم يحفل بها المؤرخون، وتجاهلتها كتب التاريخ، لكن أيادي هائمة، أو حالمة، أو مجنونة، فيما يبدو، ولديها بالتأكيد الكثير من الفراغ، رأت أن من المهم تدوين بعضها.