د.عوض بن إبراهيم ابن عقل العنزي
ماذا يعني أن تحمل جامعة سعودية اسم (جامعة الحدود الشمالية)؟ ليس من الجيّد النظر إلى الاسم بوصفه علامة إدارية تدل على مؤسسة مضافةٍ إلى موقع، بل الحسن أنْ يُنظر إليه بوصفه اسمًا يشير إلى إمكانٍ معرفيّ كامن، ويمكن أن يصير مشروعًا للأبحاث والدراسات أو المسارات الأكاديمية النوعيّة.
والظاهر للمتابع أنّ تمام شخصية الجامعات العلمية يتجاوز التخصصات العامة إلى أفق إشكاليٍّ يكشف سؤالها المعرفيَّ الذي منه تبني خصوصيّتها وقوة إسهامها، وتحوّل مجالها إلى أفق للبحث ومورد للفهم ومنصة لإنتاج المعرفة.
ومن هنا تنطوي كلمة (الحدود) في اسم (جامعة الحدود الشمالية) على ما هو أكثر من دلالة جغرافية؛ إذ يمكن أن تكون هذه الكلمة مفتاحًا لسؤال علمي يتصل بالمكان والإنسان والدولة، والهوية، والثقافة، والتنمية.
ويرد في العنوان مفهوم (رأس مال المجال) وهو في هذا السياق يقارب فكرةً ترى المكان قوّةً وقيمةً وثروةً كامنة قابلة للتحوّل نحو معرفة ومبادرات ومؤسسات وبرامج بحثية، فـ(الحدود) بفكرٍ أدبيٍّ ونقديٍّ وتنمويٍّ لا تعني نهاية الجغرافيا، بل تعني بداية أسئلة التالي: كيف يتشكل الإنسان في المجال الحدودي؟ وكيف تنمي الهوية قرب الحزام الحدودي أو عند عبوره؟ وكيف تنشأ فرص التنمية في المناطق الطرفية؟ وكيف تتحول المنطقة الحدودية من هامش مكاني إلى مركز معرفي في سياق مخصوص؟
ويسجل في هذا السياق سبق الدراسات النقديّة الحديثة في تجاوز نظرها إلى (الحدود) بوصفها بوصفها خطًّا قانونيًّا أو جغرافيًّا فاصلًا، فاتجهت إلى فهم (الحدود) بوصفها ظاهرة اجتماعية متعددة الجوانب يلتقي عندها وفيها الفرد، والمجتمع، والمؤسسة، والسياسة.
وربما يمكن لجامعة الحدود الشمالية من هذه الزاوية أن تجعل من موقعها واسمها رأس مال تبنيه من مجالها الذي هي فيه، وعندئذ لا تختزل نفسها بأنها جامعة واقعة في منطقة حدودية فقط، بل بأنها جامعة تدرس وتُنتجُ معرفةً واقتصادًا ومسارًا علميًّا في معنى (الحدود)، وتحوِّلُ دلالة المكان إلى مشروع معرفة، وتربطُ البحث العلمي بالتنمية المناطقية والوطنية.
وهذا التصور المرصود سابقًا لا يأتي من خارج خطاب الجامعة، بل إنه ينسجم مع مراكز وبرامج الجامعة فـعناية (مركز البحوث الإنسانية والاجتماعية) تقوم على رصد الظواهر الإنسانية والاجتماعية في المنطقة والوطن، وكذلك يأتي (برنامج أبحاث منطقة الحدود الشمالية) ضمن برامج (عمادة البحث العلمي) ليعزز هذا المعنى المتاح الذي يحتاج إلى تفعيل ومسار إنتاج، وهنا يظهر للمتأمّل أنّ السؤال المعرفيّ الإشكاليَّ الذي تحيا به خصوصية (جامعة الحدود الشمالية) ويقود بناءها ووعيها وأثرها التاريخي هو: كيف يتأتّى تحويل مفهوم (الحدود) من خط على جغرافيا الأرض إلى وعي بمشروع معرفيّ وثروة يمكن أنْ تسهم في الاقتصاد الوطني؟
لا يمكن تعليق قيمة (رأس مال المجال) في وجود المكان وحده، بل إنها متعلّقةٌ بقدرة المؤسسة العلمية على قراءة المكان وتحويله إلى معرفة؛ إذ الموقع الجغرافي قد يبقى إطارًا خارجيًّا لا أثر له في هوية الجامعة، وقد يرتقي -حين يُفهم ويُبحث ويُنظَّم- إلى مورد علمي وتنموي وثقافي، ومن هنا فإنّ الميزة الدقيقة في (جامعة الحدود الشمالية) أنها تمتلك مجالًا قد يصبح رأس مال معرفيّ؛ لأنها تقع في منطقة يتجاور فيها (المكان)، و(الحد)، و(الصحراء)، و(الندرة السكانية)، و(التحول التنموي)، و(المجتمع المحلي)، و(الانفتاح على الجوار الإقليمي).
ولسائل أن يسأل عن أصول هذا المفهوم (رأس مال المجال)، والظاهري الدراسات أنّه ليس اصطلاحًا معزولًا، بل إنه يقرب مما استقر في الدرس المكاني المعاصر تحت اسم «رأس المال المكاني» (Spatial Capital)، و»رأس المال الإقليمي» (Territorial Capital)؛ إذ يُنظر فيهما إلى المجال بوصفه منتجًا للقيمة بإمكانات الوصول والكثافة والتنوع، وبوصف الإقليم رصيدًا تنمويًّا وتنافسيًّا قابلًا للاستثمار المعرفي.
ومن التجاوز قليلًا أن يُختزل (رأس مال المجال) في المعنى الاقتصادي وحده، لأن المجال ينتج أنواعًا متعددة من القيم، منها: قيمة معرفية حين يمنح الباحثين موضوعات أصيلة، وقيمة ثقافية حين يكشف خصوصيات اللهجة والعادات والذاكرة، وقيمة تنموية حين يوجه التخطيط إلى احتياجات السكان، وقيمة بيئية حين يفتح أسئلة عن التصحر والغطاء النباتي والمحميات والمناطق غير المأهولة، وقيمة اجتماعية حين يفسر علاقة الإنسان بالمكان والحدود والعبور.
ولا يقتصر سؤال المكان على التخطيط والتنمية؛ إذ تمتد آثاره إلى اللغة والأدب والذاكرة والتمثيل الثقافي، وهي مجالات يمكن أن تُفرد لها دراسات ضمن مشروع (دراسات الحدود)، تجعل المكان رافدًا سياحيًّا أو ثيمة جماليّة يمكن التغني بها، وما (نجد) في الشعر العربي إلا نموذج تنويري لتلك الدراسات التي تضيف إلى المكان قيمةً تنموية وثقافية.
وبهذا المعنى تصبح (دراسات الحدود) الأداة الأنسب لاستثمار (رأس مال المجال)؛ لأنها حقل قادر على جمع ما تفرقه التخصصات، فالحدود لا تُقرأ من (الجغرافيا) وحدها، ولا من (السياسة) وحدها، ولا من (الاقتصاد) وحده، بل من تفاعل هذه الحقول جميعًا، وإذا كان بعض التفكير يرى (الحدود) نهاية للخريطة، فإن التفكير الأكاديمي الرائد المنتج يستطيع أن يراها بداية لمنهج بحثي يدرس ما يتولد حولها من ظواهر متعددة، منها: (المجاورة)، و(العبور)، و(الهوية)، و(الهجرة)، و(التنمية)، و(الأمن الإنساني)، و(نوعية الحياة)، و(البيئة).
وهنا يُسجّل أنّ الاستفادة من مفهوم (الحدود) وتحويله إلى (رأس مال) يضيف إلى التنمية لا يعني الاحتفاء الرمزي باسم الجامعة، بل يعني بناء برنامج معرفي واضح يتحول فيه (الموقع) إلى (سؤال)، والسؤال إلى (محور بحثي)، والمحور إلى (مبادرات)، و(مؤشرات)، و(شراكات)، و(سياسات)، و(أثر تنموي)، وحين تبلغ الجامعة هذه المرحلة تصبح قد جعلت موقعها جزءًا من رسالتها العلمية.
وينبغي التنبيه إلى أنّ (دراسات الحدود) حقل معرفي واسع، يدرس الظواهر التي تنشأ حول الحدود وفي داخل المجال الحدودي ومن خلال عبوره، أي أنها لا تنظر إلى الحدود بوصفها خطًّا فاصلًا، بل بوصفها نظام علاقات تتداخل فيه (السيادة)، و(المجتمع)، و(الهوية)، و(الحركة)، و(الاقتصاد)، و(الثقافة)، و(البيئة)، و(التنمية)، ويحتاج هذا الحقل إلى (الجغرافيا) لفهم المجال والموقع، وإلى (علم الاجتماع) لفهم الجماعات والفاعلين، وإلى (الأنثروبولوجيا) لفهم العادات والطقوس والذاكرة، وإلى (الاقتصاد) لفهم السوق والعمل والاستثمار، وإلى (السياسات العامة) لفهم علاقة المركز بالأطراف، وإلى (الدراسات البيئية) لفهم أثر المجال الحدودي في الصحراء والغطاء النباتي والتوازن البيئي، واختزال (الحدود) في بُعدٍ واحد يحجب كثيرًا من أسئلتها العلمية؛ لأن المنطقة الحدودية مجال إنساني وتنموي وثقافي تتراكم فيه ظواهر السكنى والعبور والعمل وتشكُّل الهوية، وكلها قابلة للدراسة والتحليل، ولهذا تستطيع (جامعة الحدود الشمالية) أن تتبنى (دراسات الحدود) بوصفها حقلًا جامعًا لا ينافس التخصصات القائمة، وتبني منه فضاء بحثيًّا تتعاون فيه الكليات والأقسام على قراءة المجال الحدودي قراءة مركبة، تجعل من (الحدود) موضوعًا للمعرفة متجاوزة به وصف الأماكن والمواقع.
ومن المهم في هذا السياق ضبطُ علاقة (الإنسان) بـ(الحدود)؛ لأن هذه العلاقة تتجاوز في نشأتها القرب المكاني وحده، وكذلك العبور دون غيره إلى محورين متكاملين: محور (مجاورة الحزام الحدودي)، ومحور (عبور الحدود السياسية)، ففي المحور الأول يتشكل الإنسان داخل مجال قريب من الحدود، يتأثر بأنماط العيش في الأطراف، وبعلاقة المجتمع المحلي بالمركز، وبحضور الدولة في صورة خدمات وأنظمة، ومنافذ، وضبط وتنمية. أما في المحور الثاني، فيتشكل الإنسان من تجربة الانتقال نفسها، حين يعبر حدود بلده مسافرًا، أو مهاجرًا، أو تاجرًا، أو دارسًا، أو باحثًا عن علاج، أو داخلًا في فعل غير نظامي كالتهريب.
إنّ (مجاورة الحزام الحدودي) تنتج هوية مكانية متصلة بالاستقرار والقرب والذاكرة المحلية، فالساكن في المجال الحدودي لا يرى الحدود كما يراها البعيد عنها؛ لأنها تدخل في تفاصيل إحساسه بالمكان، وفي فرصه الاقتصادية، وفي تصوره للمركز والطرف، وفي علاقته بالجوار السياسي والثقافي. ومن هنا تصبح دراسة (المجتمع في المناطق الحدودية) دراسة لعلاقة معقدة بين المكان والانتماء، والخدمة، والتنمية، والذاكرة.
أما (عبور الحدود السياسية) فينتج هوية حركية؛ لأن العابر يدخل في مجال قانوني وثقافي واجتماعي جديد، ويعيد من خلاله تعريف ذاته ووطنه والآخر، وقد يصير العبور مصدرًا للمعرفة والانفتاح، وقد يصبح بابًا للاستلاب أو التمثيل المشوه للهوية، وقد يكون تجربة اضطرارية مرتبطة بالخوف والاقتلاع والبحث عن الأمان.
ولذلك لا ينبغي أن تقف (دراسات الحدود) عند سكان المناطق القريبة من الحدود، بل يجب أن تدرس -أيضًا -الفرد العابر، وما يطرأ على وعيه وسلوكه وتمثله لهويته بعد العبور.
وهذا التفريق يمنح (جامعة الحدود الشمالية) مجالًا بحثيًّا واسعًا؛ إذ يمكنها من دراسة (الهوية المجاورة للحدود) في المدن والمحافظات والقرى القريبة من المجال الحدودي، ودراسة (الهوية العابرة للحدود) لدى المسافرين والطلاب والتجار والمبتعثين والباحثين عن العلاج وغيرهم، وحينئذ تتحول (الحدود) من خط يفصل بين دولتين إلى تجربة إنسانية تكشف خرائط تنامي الوعي بين الثبات والحركة، وبين الإقامة والعبور.
وإذا كانت (الحدود) مجالًا يتصل بالسيادة والضبط، فإنها في الوقت نفسه مجال يتصل بالتنمية ونوعية الحياة والعدالة المناطقية. ومن هنا لا تكفي المقاربة التي تختزل المناطق الحدودية في بعدها الأمني، لأن الأمن نفسه لا يكتمل إذا بقي المجال الحدودي ضعيف الخدمات، محدود الفرص، قليل الاستثمار، هشًّا في بنيته الاجتماعية والاقتصادية، فالأمن والتنمية في المناطق الحدودية ليسا منفصلين، بل بينهما علاقة متبادلة؛ إذ تسهم التنمية في ترسيخ الاستقرار، ويسهم الاستقرار في إطلاق فرص التنمية.
وتقوم فكرة (التنمية الحدودية الشاملة) على أن المجال الحدودي ليس خطًّا يحتاج إلى الحراسة فقط، بل إقليم يحتاج إلى الفهم والتخطيط والتمكين. فالمناطق الحدودية قد تعاني من البعد عن المركز، وضعف البنية الاقتصادية، وقلة المؤسسات الكبرى، ومحدودية فرص العمل، وضعف الخدمات، وتراجع الجذب الاستثماري. وهذه المشكلات لا تُعالج بإجراءات جزئية، بل بمقاربة تجمع بين (البعد الأمني)، و(البعد الاجتماعي)، و(البعد الاقتصادي)، و(البعد البيئي)، و(البعد المكاني / الإقليمي).
وتظهر أهمية هذا المنظور في حالة (منطقة الحدود الشمالية)، حيث لا يكفي النظر إلى المنطقة من جهة موقعها الجغرافي، بل ينبغي النظر إليها من جهة حاجاتها التنموية وسوق عملها وفرصها الاستثمارية وبنيتها السكانية، ولذلك تشير بعض الدراسات التي تناولت سوق العمل في منطقة الحدود الشمالية إلى أن البطالة والتوظيف يتأثران بعوامل اقتصادية واجتماعية، منها ضعف وجود المؤسسات الكبيرة، وتدني الأجور، ومنافسة العمالة الوافدة، والتأثيرات الأسرية والاجتماعية. وهذه المؤشرات تجعل (دراسات الحدود) مدخلًا مهمًّا لفهم التنمية المحلية لا بوصفها خطة عامة، بل بوصفها معرفة دقيقة بخصائص المكان وسكانه.
ومن هذه الزاوية تستطيع (جامعة الحدود الشمالية) أن تؤدي وظيفة تتجاوز التدريس التقليدي إلى إنتاج دراسات دورية عن (سوق العمل)، و(جودة الخدمات)، و(فرص الاستثمار)، و(التحولات السكانية)، و(نوعية الحياة)، و(رضا السكان)، و(أثر المشروعات الكبرى)، وحين تفعل ذلك تصبح الجامعة عقلًا بحثيًّا للمنطقة، تساعد صانع القرار على الانتقال من التخطيط العام إلى التخطيط المبني على معرفة محلية دقيقة.
وإذا رأت (جامعة الحدود الشمالية) أن تجعل من (دراسات الحدود) مجالًا علميًّا منتجًا، فليس المطلوب أن تبدأ بمشروع واسع غير محدد، بل لها أن تبني محاور بحثية واضحة تتدرج من (الهوية) إلى (التنمية)، ومن (الإنسان العابر) إلى (البيئة)، ومن (سوق العمل) إلى (المجتمع المدني)، وبهذا يصبح الحقل خريطة عمل تستوعب كليات الجامعة وأقسامها، وتتيح لكل تخصص أن يسهم في قراءة المجال الحدودي من زاويته.
فيأتي محور (الحدود والهوية) في المقدمة؛ لأنه يدرس علاقة الإنسان بالمكان، وطريقة تشكل الذاكرة المحلية، واللهجات، والعادات، والأنماط الثقافية في المجتمعات القريبة من الحزام الحدودي، وهذا المحور لا ينبغي أن يقف عند التصورات العامة للهوية، بل لابد له أن يدرس ممارساتها اليومية: (المسكن)، و(اللباس)، و(الطعام)، و(الضيافة)، و(تقاليد دورة الحياة)، و(الحرف التقليدية)، ومن الضروري في هذا السياق إبراز أهمية دراسة (المرأة) بوصفها فاعلًا ثقافيًّا في حفظ الذاكرة الاجتماعية ونقلها بين الأجيال.
ويأتي ثانيًا محور (الإنسان العابر للحدود) ليكمل المحور السابق؛ لأنّ الهوية لا تتشكل بالمجاورة فقط، بل بالعبور أيضًا، فالمسافر، والمهاجر، والطالب، والتاجر، والباحث عن العلاج وغيرهم يدخلون في تجربة حدودية تعيد ترتيب علاقتهم بالذات والوطن والآخر، وهنا يتاح للباحثين دراسة التحولات النفسية والثقافية والاجتماعية التي تنتج عن الانتقال بين مجالين سياسيين وثقافيين.
وفي محور (الحدود والتنمية والاقتصاد المحلي)، فيدرس سوق العمل، والبطالة، والاستثمار، والقطاع الخاص، والمشروعات الكبرى، والطرق، والخدمات، وسلاسل الإمداد، ولا ينبغي فصلها عن دراسة (نوعية الحياة) في المناطق الحدودية من حيث التعليم، والصحة، والسكن، والخدمات، وفرص العمل، والانتماء، والمشاركة المجتمعية.
ويأتي محور (الحدود والبيئة) بوصفه محورًا نوعيًّا يناسب طبيعة (منطقة الحدود الشمالية)، إذ يدرس (الصحراء)، و(الغطاء النباتي)، و(التصحر)، و(المحميات)، والبقاع غير المأهولة القريبة من الحدود السياسية، وهذا المحور مهم لأن المجال الحدودي لا يتكون من السكان وحدهم، بل من الأرض، والهواء، والتربة، والنبات، والطقس، والمناخ.
وأخيرًا، محور (المجتمع المدني والسياسات العامة)، وفيه تدرس الجامعة دور الجمعيات والمؤسسات المحلية في تحسين حياة السكان، وتقيس أثرها، وتبني معها شراكات تدريبية وبحثية، وبهذه المحاور المتكاملة تصبح (دراسات الحدود) مجالًا جامعًا بين المعرفة والخدمة والتنمية.
وليست الدعوة إلى عناية (جامعة الحدود الشمالية) بـ(دراسات الحدود) ابتكارًا منعزلًا عن الحركة الأكاديمية العالمية، بل هي امتداد لفكرة أخذت موقعها في عدد من الجامعات والمراكز والمجلات العلمية، فقد صارت (الحدود) في البحث المعاصر موضوعًا تتقاطع فيه العلوم الاجتماعية والإنسانية والسياسات العامة، ولم تعد حكرًا على الجغرافيا السياسية أو الدراسات الأمنية.
وتدل مجلة دراسات المناطق الحدودية (Journal of Borderlands Studies) على رسوخ هذا الحقل علميًّا؛ فهي مجلة منشورة باسم رابطة دراسات المناطق الحدودية (Association for Borderlands Studies)، وتنشر أبحاثًا نظرية وتطبيقية عن قضايا (الحدود)، و(ديناميات التخوم)، و(المناطق الحدودية) من منظور بيني، وهذا يعني أن (دراسات الحدود) ليست عنوانًا ثقافيًّا عامًا، بل مجال بحث محكم له أدواته وأسئلته ومجتمعه العلمي.
ويقدم مختبر الحدود في العولمة (Borders in Globalization Lab) في (University of Victoria) نموذجًا آخر؛ إذ تعمل بوصفها شبكة بحثية دولية تجمع الأكاديميين وصناع السياسات لدراسة تحولات (الحدود) في القرن الحادي والعشرين، وتربط البحث الأكاديمي بقضايا السياسة والإدارة. وهذا النموذج مهم لـ(جامعة الحدود الشمالية)، لأنه يبيّن أن دراسة الحدود لا تقف عند إنتاج المقالات، بل تمتد إلى بناء شراكات ومعارف قابلة للإفادة في القرار العام.
ومن النماذج اللافتة كذلك مركز فيادرينا لدراسات الحدود والنظم المتحركة (B/ORDERS IN MOTION) التابع لجامعة فيادرينا الأوروبية. (European University Viadrina)، وهي جامعة تقع قرب الحدود (الألمانية البولندية)، وقد جعل المركز من (الحدود) و(الحركة) موضوعًا لفهم التحولات الاجتماعية، والثقافية، والاقتصادية، والسياسية، وتتجلى أهمية هذا النموذج في قربه من الفكرة المقترحة هنا: جامعة تستثمر موقعها الحدودي في بناء هوية بحثية، وليس المطلوب من (جامعة الحدود الشمالية) استنساخ هذه النماذج، بل أن تستلهم منها مبدأ واحدًا هو حين تفهم الجامعة مجالها، وتستطيع أن تجعل من موقعها مشروعًا علميًّا.
وفي هذا تملك (جامعة الحدود الشمالية) ما يجعل (دراسات الحدود) قريبة من رسالتها ومجالها الطبيعي، فهي ليست جامعة تحمل اسمًا محايدًا، بل تحمل اسم منطقة تقع في شمال (المملكة العربية السعودية)، بمحاذاة الحدود مع (العراق) و(الأردن)، ومركزها الإداري (عرعر)، وتمتد في مجال صحراوي واسع تتداخل فيه الطرق، والمراعي، والثروة الحيوانية، والتعدين، والمحميات، وفرص الاستثمار. وهذه الخصائص لا ينبغي أن تُقرأ بوصفها معلومات جغرافية، بل بوصفها مادة أولية لسؤال بحثي واسع: كيف يمكن أن تتحول خصائص المنطقة إلى برنامج معرفة؟
ومن هذا تستطيع (جامعة الحدود الشمالية) أن تجعل من موقعها ميزة معرفية، ومن اسمها عنوانًا بحثيًّا، ومن علاقتها بالمجال المحلي مدخلًا للتميز، فالجامعة لا تكون قريبة من مجتمعها عند وجودها فيه، بل حين تفكر فيه، وتدرس تحولاته، وتقيس حاجاته، وتبني معه شراكات، وتحول خصوصيته إلى معرفة نافعة.
ويمكن أن تبدأ (جامعة الحدود الشمالية) في تفعيل هذا التصور بخطوات عملية متدرجة تنطلق من إنشاء (وحدة دراسات الحدود)، أو إطلاق (برنامج بحثي في دراسات الحدود والتنمية المناطقية) يتبع البنية البحثية القائمة في الجامعة، ويعمل على تنظيم الجهود في مسار واحد، وغاية هذا المقترح ليست إضافة اسم جديد إلى الوحدات الجامعية، بل بناء إطار معرفي يربط البحث العلمي بحاجات المنطقة.
ويقع على عاتق هذه الوحدة أو البرنامج أربعة أعمال رئيسة: أولها بناء قاعدة بيانات عن (منطقة الحدود الشمالية)، تشمل السكان، وسوق العمل، والخدمات، والبيئة، والهوية الثقافية، والمجتمع المدني، والفرص الاستثمارية أو توفيرها. وثانيها إطلاق دراسات سنوية عن (نوعية الحياة) و(التحولات الاجتماعية) و(فرص التنمية) في المدن والمحافظات والهجر، وثالثها إقامة شراكات مع الجهات الحكومية والمكتب الإستراتيجي لتطوير المنطقة والجمعيات الأهلية والقطاع الخاص، ورابعها تدريب طلاب الدراسات العليا والباحثين على تحويل قضايا المنطقة إلى موضوعات بحثية تطبيقية.
ويمكن أن يتدرج هذا المسار من (وحدة بحثية) إلى (كرسي علمي) أو (مركز متخصص) أو (برنامج دراسات عليا) حين تتوافر له الخبرة والتراكم العلمي والشراكات، والغاية النهائية أن تصبح (جامعة الحدود الشمالية) مرجعًا بحثيًّا في قضايا (الحدود)، و(الصحراء)، و(التنمية المناطقية)، و(الهوية المحلية)، و(رأس مال المجال)، وكل ذلك بسبب أنّ الموقع تحوّل إلى سؤال، والسؤال إلى برنامج، والبرنامج إلى أثر، وحينئذ يمكن القول: إنّ الجامعة (أي جامعة؟) قد بدأت في صناعة هوية علمية منبثقة من مجالها.
ومن المهم هنا أنّ قيمة (جامعة الحدود الشمالية) في أنها تقع في منطقة حدودية، وفي قدرتها على تحويل هذا الموقع إلى سؤال علمي، وهذا السؤال إلى مشروع معرفي وتنموي، فـ(الحدود) ليست نهاية (الجغرافيا)، بل بداية (المعرفة)؛ لأنها تكشف علاقة الإنسان بالمكان، وعلاقة الهوية بالعبور، وعلاقة التنمية بالأطراف، وعلاقة الجامعة بمجالها المحلي والوطني.
وبهذا المعنى تستطيع (جامعة الحدود الشمالية) أن تجعل من اسمها مشروعًا، ومن موقعها معرفة، ومن مجالها مختبرًا لفهم العلاقة بين (الإنسان)، و(المكان)، و(الدولة)، و(الثقافة)، و(التنمية). وحين تفعل ذلك لا تكون جامعة في منطقة حدودية فقط، بل إنها تصبح جامعة تدرس معنى الحدود.
** **
أستاذ البلاغة والنقد المشارك في قسم اللغة العربية - مهتم بالتخطيط الإستراتيجي بجامعة الحدود الشمالية