عبدالمحسن بن علي المطلق
ثمة شخصٌ لا يغيب محبوبه عنه أبدًا؛ يحيط به كما تحيط الهالة بكل ما يستولي على النفس، حتى ليخال المرء أن هذا اللون من الحب نادر الوجود. غير أن التأمل في أحوال الناس يكشف غير ذلك؛ فما إن يُذكر الحب، أو التعلّق، حتى يسرح كثيرون إلى عوالمهم الخاصة، مسترجعين ذكرى بعيدة، أو متحسرين على محبوبٍ حالت الأيام بينهم وبينه.
والمفارقة أن هذا السرحان قد يصيب المرء وهو يعيش حياةً هادئة مع زوجته، بل ربما كان في أوج مودته لها، ومع ذلك يبقى في القلب موضعٌ لا تبلغه الأيام، ولا تطويه السنون.
هذه الزاوية الخفية من حياتنا هي التي تمنح الخيال سلطانه، فتلمح في بعض العيون أثر جرحٍ قديم. وأقول: قديم وعميق، لا لأن نزفه لا ينقطع، بل لأنه جرحٌ مستتر، يخبو طويلًا ثم يستيقظ فجأة إذا مرّ بصاحبه ما يذكّره بماضيه.
ولعل مجنون ليلى صوّر هذه الحال خير تصوير حين رأى ظبيةً فأيقظ شبهها ذكرى ليلى في نفسه، فقال:
وَيا شِبهَ لَيلى رُدَّ قَلبي فَإِنَّهُ
لَهُ خَفَقانٌ دائِمٌ وَبُروقُ
فَعَيناكِ عَيناها وَجيدُكِ جيدُها
سِوى أَنَّ عَظمَ الساقِ مِنكِ دَقيقُ
أفلا نعذر بعد ذلك من يصادف شبيهًا لمحبوبه، فيغيب عنا لحظات، وإن بقي جسده بيننا؟ إنه يرحل إلى عالمٍ لا يدخله سواه، عالمٍ تعيش فيه الذكرى أكثر مما يعيش فيه الواقع.
وقد اشتهر العرب بهذا اللون من الحب أكثر من غيرهم، وإن كانت له نظائر عند أمم أخرى شرقًا وغربًا. غير أن العربي ظل أوثق الناس صلةً بذكرياته، وأشدهم وفاءً لماضيه؛ لأنه يرى في الماضي جزءًا من هويته، وفي الحب الأول صفحةً لا تشبه سائر الصفحات. إنها ذكرى تمضي عليها الأعوام، لكنها تظل مطبوعة في القلب، لا يمحوها الزمن.
ولذلك لم يكن غريبًا أن يجزم الشاعر بقوله:
ما الحبُّ إلا للحبيب الأول
وكأنه يصدر حكمًا لا يقبل المراجعة.
ولهذا أيضًا، ما إن يُذكر قيس، أو تلوح قصة من قصص الهوى، حتى يجد كثيرون أنفسهم في شيءٍ منها. ولعل من رحمة الله بقيس -وبنا أيضًا- أنه لم يتزوج ليلى؛ فلو تم لهما اللقاء، لربما انقلبت تلك القصة التي سكنت الوجدان إلى حياة يومية لا تختلف كثيرًا عن حياة سائر الأزواج، ولربما عادت ليلى بعد أيام إلى أهلها تشكو غلظته، أو يشكو هو من طباعها، كما يحدث في حياة البشر جميعًا.
أما وقد حال القدر بينهما، فقد بقيت قصتهما رمزًا خالدًا للعشق، وبقيت أبياته شاهدة على لوعة الفقد، نستحضرها كلما لامنا لائم، أو عاتبنا عاتب، فنجد فيها عزاءً، وكأنها تمنح مشاعرنا شرعيةً أدبية، وتخبرنا أن ما نجده ليس بدعًا من أحاسيس البشر.
وعلى كل حال، فأولئك هم حزب الهوى؛ وما أكثر من يرى نفسه واحدًا منهم، وإن تفرقت بهم الدروب، وظلت قلوبهم تجتمع على ذكرى لا يملك الزمن أن ينتزعها.
أرى أن هذه الصياغة أكثر تماسكًا وأقرب إلى لغة المقالات الأدبية المعاصرة، مع الحفاظ على روح النص وأفكاره، وجعل الانتقال بين الفقرات أكثر سلاسة دون الإخلال بأسلوب الكاتب.