عبدالله العولقي
تبدأ قصة الحياة والموت في سيرة الفيلسوف الفرنسي الشهير وعالم الاجتماع ادغار موران عندما تعرّضت الطائفة اليهوديّة للإبادة في منطقة سالونيك اليونانية حيث نجا والده (ناحوم) بأعجوبةٍ شديدةٍ من الموت المُحقّق ليهرب خائفاً إلى فرنسا، وهناك في باريس يتزوّج منْ سيّدة إيطالية مريضة بداء القلب حيث ينصحها كلُّ الأطباء بعدم الإنجاب وإلا ستتعرّض حياتها للخطر! لكنّ إرادة الله تشاء أنْ تحملَ بين أحشائها طفلاً هزيلاً عديم الحركة! ارتبكت السيدة ودخلتْ في دوّامةٍ نفسيّةٍ بين مشاعر الأم وخوفها على مصير حياتها! وبعد تفكيرٍ طويلٍ قرّرتْ أخيراً أنْ تجهض طفلها قسراً وتتنازل عنْ مشاعر أمومتها مقابل حياتها، ولكنّها فشلت في عمليّة الإجهاض التي كادتْ أنْ تودي بحياتها إلى الموت! وهذا الأمرُ جعلها ترضى أخيراً بالأمر الواقع وتستسلم في النهاية لقضاء الله وقدره، وعندما شعرتْ بمرحلة الطلْقِ ذهبتْ مرعوبة إلى المستشفى وأثناء عمليّة التوليد العسيرة خرجَ الطفلُ وهو ملتفٌ بحبله السري ممّا جعلَ أحدُ الأطباء يغادرُ غرفة العمليّات لاستخراج شهادة الوفاة بينما بقيَ الطبيبُ الآخر يتأمّل نبضاً خفيّاً في عروق الطفل جعله يتشجّعُ ويُجْري عدّة محاولات إنعاش جريئة لتعودَ روح الحياة لهذا الطفل شبه الميت الذي قُدّر له لاحقاً أنْ يُعمّر طويلاً ويعيش تجربة حياتيّة ثريّة تتجاوز القرن من الزمان حيث توفي قبل عدّة أيّام عنْ 104 أعوام!
تعلّقَ الطفلُ الهزيلُ بوالدته كثيراً لكنّها غادرت الحياة فجأة وهو في التاسعة من عمره، فشكلتْ له هذه الوفاة المبكرة صدمة عنيفة ظلّتْ تبعاتها تلاحقه حتّى آخر يومٍ في حياته! فمنْ ذلك الفقد الأليم خرجت أسئلته الفلسفيّة الأولى عن الحياة والموت، عن الحبِّ والفناء، عنْ تلك العلاقة العجيبة بين هشاشة الإنسان وضعفه مقابل قدرته على النهوض وغطرسته وكبريائه، لقدْ صار الحزنُ عندَ هذا الطفل العجيب طاقة كامنة في حبّه وشغفه للعلم وولعه في البحث عنْ المعرفة، وصار الوجعُ لديه نافذة واسعة تُطلُّ على كتاباته العميقة وحواراته الثريّة، ولهذا جاءت كتبه في الموت والحياة والحب والهوية أقرب إلى اعترافٍ نفسي طويلٍ، يكتبُ فيه المفكر بقلبه، ويفكرُ فيه العاشق بعقله، لقدْ عاشَ حياته الأولى وحيداً بدون أخٍ أو أخت أو أبناء عمومة أو عشيرة ممّا شجّعه ليعتمدَ على نفسه فريداً في معيشته وتعليمه وثقافته حتّى أصبح أحد رموز الفلسفة الإنسانيّة في العالم! ففي بداية شبابه، أُعجب بشخصيّة الأديب الفرنسي الشهير بلزاك، وتأثر كثيراً برواياته وثقافته وأدبه، وبعد أن اندلعت الحرب العالمية الثانية، وغزت قوات ألمانيا النازيّة فرنسا، تطوّع ادغار في جيش فرنسا التطوعي ضدّ غزو النازية، وهناك غيّر اسمه منْ ادغار ناحوم إلى إدغار موران خوفاً من النازيّة الكارهة لليهود! وقد اهتدى إلى اسمه الجديد موران منْ أحد أبطال روايات بلزاك التي تعلّق بها منذ صغره!
ينتمي موران إلى الفلسفة الفرنسيّة السهلة والعميقة، البعيدة عنْ غموض الفكر الألماني وتعقيد الفلسفة الإنجليزيّة، فيعتبرُ نفسه سليل مفكري فرنسا الكبار منْ أمثال ديكارت وباسكال وفولتير وجان وجاك روسو ومونتسكيو، فقدْ كانت عبقريّته تكمنْ في جوهرها أنّه جعل الفلسفة لغة حياة يوميّة، تقولُ الباحثة ندى حطيط: كان موران فيلسوف الربط في عصر القطع، ومفكر العلاقة في زمن العزلة، وصانع جسور المعرفة بين العلوم الطبيعيّة والعلوم الإنسانيّة، بين الرواية والمختبر، بين السينما وعلم الاجتماع، بين ذاكرة الطفل وخريطة الكوكب!
لقدْ تفاعلَ المثقفون العرب والمسلمون بخبر نعي ادغار موران ولعلّ السبب الأساسي يكمنُ في إنسانيّة هذا المثقف، وانفتاحه الكبير على الثقافات البشريّة ولا سيّما ثقافتنا العربيّة، وبُعْده العلمي عنْ قيود النظريّة والأديولوجيا، وتعاطفه مع قضايا العرب مثل قضيّة فلسطين، فعلى الرغم منْ يهوديّته إلا إنّه جاء إنساناً في المقام الأول! ومعارضاً كبيراً للصهيونية العالميّة، ووقف بصلابة أمام عنجهيّة الآلة العسكريّة الإسرائيلية وما تقترفه منْ جرائمِ إبادة في قطاع غزة، لقد كان موران شجاعاً في وجه الإعلام الغربي المتناقض مع شعاراته حول قضايا الإنسان، فكشف في كتاباته ولقاءاته عنْ تناقضية الغرب وزيف معاييره الخادعة! وأيّد حق الفلسطينيين في العيش داخل أرضهم ووطنهم التاريخي، وهنا تظهر شجاعة الإنسان والمفكر الحقيقي عندما تتطابق فلسفته وأطروحاته مع سلوكه الواقعي المعاش على عكس معاصريه اليهود الذين انقلبوا على أفكارهم وآرائهم مع أحداث غزة الأخيرة مثل المفكر الألماني يورغن هابرماس!
اهتمّ موران بقضايا الإنسان عموماً، فكان يؤمنُ أنّ العيش ليس البقاء على قيد الحياة، فهذه لعبة ذاتيّة تمارسها جميع الكائنات، وإنّما العيش الإيجابي هو أنْ تكون ضمن مجتمعٍ بشريٍّ فاعل، حيث تتضامنْ بداخله وتتفاعل فيه مع الآخرين، وتستمتع بكلِّ ما تقدّمه الحياة! هكذا كان يرى موران رسالته أو فلسفته في الحياة، ولهذا فقد ظلّ طوالَ حياته المديدة محافظاً على عاداته اليومية، يستيقظ كلّ صباحٍ بقراءةِ بريده الإلكتروني، وقدْ تداولت وسائل الإعلام صورة شهيرة له وهو في عمر المائة يجلسُ أمام جهاز الكومبيوتر ويحاول أنْ يجربَ مهارات الذكاء الاصطناعي في التقنية وكأنه يرسلُ رسالة لكلِّ البشرِ الأحياء أنّ الفرد يظلّ يتعلّم ويتعلّم حتّى آخرَ يومٍ في حياته!
يبتدئ موران يومه بتناول إفطاره البسيط، وبعد ذلك يتناول أحدَ الكتب منْ مكتبته الضخمة ليستغرقَ في قراءته ساعاتٍ وساعات طويلة، فالقراءة عنده سلوك داخلي وجزء أساسي منْ برنامجه اليومي، كما أنّه كان لا يردُّ أيّ دعوةٍ لحضور ندوة أو مؤتمر حتّى ولو كانتْ في أقصى العالم! ولذا فهو يُعرف كلّ البلدان والدول على الخارطة! ولعلّ آخر رحلاته كانت إلى البرازيل في عام 2019م وهو في الثامنة والتسعين منْ عمره حيث ألقى عدّة محاضراتٍ حول مستقبل قضايا الإنسان! إنّ المتأمّلَ لسيرة هذا الرجل يجدُ أعجوبة تتجسّدُ في جسد وعقل وروح هذه الظاهرة التي قد لا تتكرّر! وللقارئ الكريم أنْ يتخيّل أنّه قبلَ انتشار جائحة كورونا الأخيرة كانَ ينوي تقديم بعض الأغاني على أحد المسارح غيرَ عابئٍ بسنوات عمره!
تتركز أهمُّ إنجازات موران الفكريّة والعمليّة أنّه حاولَ كسر الحدود الفاصلة بين التخصصات العلمية والتخصصات الانسانيّة، وقدْ تبلورَ هذا الاتجاه في مشروعه الضخم (المنهج) الذي جاء في ستة مجلدات كتبها بين عامي 1977م و 2004م حيث حاولَ فيها أنْ يصل ما لا يوصل عادة بينَ مجالات المعرفة، ولعلّ أشهر مقولاته تجاه هذا النظرية العميقة: كلّما ازددنا معرفة وفهماً عن الإنسان، قلّ ما نفهمه! كما أنه صاحب فكرة (الفكر المركب) أي رفض الاختزال وربط المعارف بدل تفتيتها، وهو ما أكسبه بين الفرنسيين لقب ( المفكر الكوكبي) وهو يحبُّ أنْ يطلق على نفسه صفة الهامشي ويطلب أنْ يُوصف بها، فهو يقول عنْ نفسه: لقد انطلقت الفلسفة من الإغريق القدماء، وتحديداً منْ هيراقليطس الذي يعتبره الغربُ شخصاً هامشيّاً جدّاً، لكنّه في الواقع كانَ يمتلكُ حسّ تكامل الأضداد، ولهذا كانَ أثرُه عميقاً جدّاً على البشريّة رغمَ الإهمال الذي تعرّض له، ولهذا كانتْ نصيحة موران لطلاب الفلسفة والمعرفة دائماً: فَكِّروا بعمقٍ مثل كوبرنيكوس أوْ داروين!
لقدْ حظِيَ هذا الفيلسوف الفرنسي الكبير باهتمام مراكز العلم والفلسفة حول العالم، ونالَ طوالَ حياته جوائز وتكريمات لا تُحصى، فيكفي أنّه يحملُ ثمانية وثلاثين شهادة دكتوراة فخريّة منْ أشهر جامعات العالم! كما أنّه نالَ ميدالية اليونسكو الذهبيّة عام 2001م، وحصل على جائزة ابن خلدون لتشجيع الدراسات والبحوث في العلوم الإنسانية والاجتماعيّة بتونس عام 2015م، إلى غير ذلك من الشهادات والجوائز التي حصدها خلال قرن من الزمان!
وخاتمة القول، لقدْ لفتَ انتباهي أثناءَ إعداد المقال ما يتعلّق بموضوع الفلاسفة والمفكّرين اليهود المُعمّرين! مثل كارل بوبر 92سنة، يورغن هابرماس 97سنة، كلود ليفي شتراوس 100سنة، هنري كيسنجر 100سنة، ايمانويل ليفيناس 90عاما، ولعلّ آخرهم صاحب المقالة ادغار موران 104سنوات! والذي كانَ يقولُ لمقرّبيه إنّه لنْ يموتَ قبل أنْ يصبحَ في التسعين منْ عمره، لكنّه اكتشف فجأة أنّ جرسَ المائة عام يُذكّرْه بقُرِبِ نهايته! لقدْ ظلّ قلق الموت ينخرُ هواجس ادغار موران طيلة عمره المديد حتّى اختار أنْ يدرسه بنفسه! فكتبَ مرجعاً فلسفيّاً في عام 1951م وسمه بـ (الإنسان والموت)، وفي سنواته الأخيرة كانَ كثيراً ما يُفكّر بالموت، فيقولُ في إحدى لقاءاته: إنّه يترصّدني، لكنّ ذلك ليسَ سبباً للتوقف عن التفكير ومشاركة الأفكار! وفي المقابل، ظلّ مورغان متشبّثاً ببقايا الحياة حتّى آخر لحظةٍ من حياته، وفي مناسبةِ عيده المائة، صرّح لوسائل الإعلام: برغم الحروبِ والمآسي والكوارث، فإنّ هناك ألفَ شيءٍ يسعدني، يكفي أنني أتناولُ الطعامَ في مطعمٍ إيطالي أو ياباني جيّد، وأستطيعُ أنْ أرى الشمسَ ساطعة في الصباح، وأحدّقُ في وجهِ زوجتي الجميلة وأكونُ قادراً على تقبيلها، إنّ لديّ ألفَ متعةٍ صغيرةٍ أستمتعُ بها كلّ يوم!