د. عبود مصطفى عبود
ليس أخطر ما يصيب الإنسان أن يتوقف قلبه، وإنما أن يتوقف عن أن يكون إنسانًا صالحًا لعصره، وهو لا يزال يمشي بين الناس. فكم من أحياء يحملون أسماءهم، ويؤدون أعمالهم، ويتحركون في الطرقات، ولكن الزمن قد تجاوزهم، والحياة مضت إلى غير الوجهة التي عرفوها، فأصبحوا غرباء في عالمهم، لا لأنهم فقدوا الحياة، بل لأن الحياة فقدت حاجتها إليهم.
لقد اعتدنا أن نخاف الموت الأخير، لأنه يطوي الصفحة كلها. أما الموت الذي يسبق ذلك، فلا نكاد نلتفت إليه، مع أنه أشد قسوة وأعمق أثرًا. إنه موت الدور، وموت الجدوى، وموت الإنسان في عين الزمن.
كان الإنسان، في العصور الماضية، يولد ليعرف الطريق من أوله. يتعلم ما تعلمه أبوه، ويعيش حيث عاش أهله، ويغادر الدنيا بعد أن يسلّم الراية لمن بعده. وكان الاستقرار يومئذ فضيلة، لأن العالم نفسه كان مستقرًا، وكانت الأيام تتشابه حتى يخال المرء أن الغد نسخة أخرى من الأمس.
أما اليوم، فقد انقلبت الموازين. لم يعد الثبات دليل القوة، بل قد يصبح أول علامات العجز. ولم يعد التغير استثناءً يطرأ على الحياة، بل أصبح هو الحياة نفسها. ولهذا انتهى الإنسان القديم. انتهى، لا لأن جسده فني، ولكن لأن الصورة التي رسمها لنفسه لم تعد تجد موضعًا في عالم يتبدل كل صباح.
لقد كان يظن أن الإنسان يبلغ يومًا لحظة الاكتمال؛ فإذا تعلم، فقد انتهى تعلُّمه، وإذا خبر الحياة، فقد استغنى عن المراجعة، وإذا استقر في مهنته، فقد ضمن مستقبله. لكن الحياة لم تعترف يومًا بهذا الوهم، وإنما كانت تؤجله حتى جاء عصر لم يعد فيه مجال للتأجيل.
فالإنسان اليوم ليس كائنًا يكتمل، وإنما كائن يتجدد. وليس مشروعًا له نهاية، وإنما رحلة لا تعرف المحطة الأخيرة. ولعل أعظم ما ينبغي أن نتعلمه في هذا العصر، ألا نفتش عن الإنسان الذي كنا، بل عن الإنسان الذي نستطيع أن نصير إليه.
إن الهوية ليست حجرًا يُنحت مرة واحدة، وإنما نور يزداد أو يخبو بحسب ما نحمله من قدرة على التعلم، وما نملكه من شجاعة التغيير.
ولذلك فإن أخطر سؤال لم يعد: ماذا تعرف؟ بل أصبح: هل ما زلت قادرًا على أن تتعلم؟ ولم يعد السؤال: من كنت؟
بل: من تستطيع أن تكون؟
هناك تبدأ الحكاية الجديدة للإنسان. وهناك أيضًا تنتهي الحكاية القديمة.