نجلاء العتيبي
ليست الكتابة مجرد تدوين للأفكار، وإنما الوسيلة التي منحت المعرفة قدرة على البقاء بعد أصحابها، فمنذ أن أدرك الإنسان أن العمر أقصر من أن يحمل كل ما يتعلمه، احتاج إلى وسيلة تحفظ المعرفة من أن تنتهي برحيله، ولو بقيت الأفكار حبيسة العقول، لانطفأت مع أصحابها، ولاضطر كل جيل إلى أن يبدأ رحلته من الصفر؛ لهذا لم تكن الكتابة ترفًا ثقافيًا، وإنما ضرورة صنعت استمرارية المعرفة.
ولم يكن ما دونته البشرية مجرد أخبار عن الماضي، وإنما سجلًا لتجاربها، وأسئلتها، واكتشافاتها، وأخطائها أيضًا. وما نعرفه اليوم عن الحضارات القديمة، والعلوم، واللغات، والعادات، لم يصل إلينا لأن الزمن حفظه، وإنما لأن إنسانًا آمن يومًا أن الفكرة تستحق أن تكتب، وهكذا أصبحت الصفحات ذاكرةً تتسع لما تعجز الذاكرة البشرية عن الاحتفاظ به وحدها.
ومن هنا، لم تعد الكتابة حفظًا للماضي فحسب، وإنما أصبحت أساسًا يبنى عليه المستقبل؛ فكل معرفة جديدة تبدأ من معرفة سبقتها، وكل اكتشاف يقف على ما وصل إليه غيره؛ ولهذا لم تتقدم الحضارات بقفزات منفصلة، وإنما بتراكمٍ متصلٍ حفظته الكتابة، ثم سلمته من جيل إلى جيل.
ولا يقتصر دور الكتابة على ما تمنحه للآخرين، فهي تمنح كاتبها فرصةً لاكتشاف أفكاره أيضًا؛ فكثير مما يبدو واضحًا في الذهن يتغير حين يكتب؛ إذ تكشف الكلمات مواطن الغموض قبل أن تكشف وضوح الفكرة؛ ولهذا يقول عالم النفس الأمريكي جيمس دبليو بينيبيكر: «إن تحويل التجارب إلى كلمات يغير الطريقة التي نفكر بها فيها». وتشير أبحاثه إلى أن الكتابة تساعد على تنظيم الأفكار، والتعامل مع التجارب بوعي أكبر؛ لأنها تنقلها من ازدحام الذهن إلى مساحة يمكن تأملها ومراجعتها.
ولهذا لا تقاس قيمة الكتابة بعدد صفحاتها، وإنما بما تحفظه من معرفة، وما تمنحه للفكرة من قدرة على الاستمرار؛ فالإنسان يرحل، أما ما كتبه فقد يجد قارئًا بعد سنوات، أو بعد قرون، فيفهم فكرة لم يلتق صاحبها قط، ولعل هذه أعظم هدية قدمتها الكتابة للبشرية؛ أنها جعلت الإنسان قادرًا على أن يسلم ما عرفه لمن سيأتي بعده، وكأن المعرفة حوار لا ينقطع، مهما تعاقبت الأزمنة وتبدلت الوجوه.
ضوء
«كل فكرةٍ لا تجد مكانًا في الكتابة تبقى رهينة لحظتها، أما حين تدون؛ فإنها تصبح قابلةً للمراجعة، والفهم، ومواصلة رحلتها في عقول الآخرين».