جمال بن على بوحسن
من أعظم النعم التي أنعم الله بها على دولنا الخليجية أن هيأ لها قيادات حكيمة جعلت من الحكمة والاتزان وضبط النفس منهجًا راسخًا في إدارة شؤون الدولة والتعامل مع مختلف الأزمات والتحديات. فالحكمة ليست مجرد صفة، بل هي مدرسة في القيادة، ونهج في صناعة القرار، وأساس في بناء الأوطان وصون أمنها واستقرارها.
ونحمد الله سبحانه وتعالى على هذه النعمة العظيمة، فوجود قيادات تمتلك البصيرة والحنكة وبعد النظر هو الركيزة الأساسية التي قامت عليها مسيرة التنمية والنهضة والازدهار في دول مجلس التعاون الخليجي. وقد أثبتت السنوات، بما حملته من أحداث جسام ومتغيرات متسارعة، أن القيادة الحكيمة هي صمام الأمان الحقيقي للأوطان، وأنها الضمانة لاستمرار الأمن والاستقرار والمحافظة على مقدرات الشعوب.
لقد تابع العالم بأسره ما شهدته منطقتنا الخليجية من أحداث وتوترات خلال الفترات الماضية، ورأى كيف تعاملت القيادات الخليجية مع تلك الظروف الدقيقة بعقلانية واتزان، بعيدًا عن ردود الفعل الانفعالية أو القرارات المتسرعة. ففي الوقت الذي كانت فيه المنطقة تقف على حافة مواجهة قد تتوسع آثارها، اختارت القيادات الخليجية طريق الحكمة، وقدمت المصلحة الوطنية العليا على كل اعتبار، فنجحت في حماية أوطانها وشعوبها، وجنبت المنطقة ويلات حرب كان من الممكن أن تمتد آثارها إلى الجميع.
لقد مرت علينا أيام عصيبة، كان فيها التوتر سيد الموقف، وكانت الاحتمالات مفتوحة على مختلف السيناريوهات، إلا أن حكمة قادتنا، وثقتهم بقدرتهم على إدارة الأزمة، وضبط النفس الذي تحلوا به، كان العامل الحاسم في تجاوز تلك المرحلة بأقل الخسائر الممكنة، لتثبت دول الخليج مرة أخرى أنها دول تبني السلام وتحافظ عليه، دون أن تفرط في أمنها أو سيادتها أو مصالحها الوطنية.
ومنذ عام 1979 وحتى يومنا هذا، لم تعرف منطقتنا الخليجية الهدوء الكامل، إذ تعاقبت عليها الأزمات والحروب والصراعات والتدخلات الإقليمية والدولية، وشهدت المنطقة تحديات سياسية وأمنية واقتصادية كبيرة. ومع ذلك، بقيت دول مجلس التعاون الخليجي متماسكة وقوية، واستطاعت أن تتجاوز تلك المحطات بثبات واقتدار، مستندة إلى رؤية سياسية ناضجة، وإرادة وطنية صلبة، وقيادات تدرك أن الحفاظ على الدولة أهم من الانجرار وراء الانفعالات المؤقتة.
ولم تكن المؤامرات التي استهدفت أمن الخليج واستقراره بالأمر الجديد، فقد تعرضت دولنا لمحاولات متكررة لزعزعة أمنها، وإثارة الفتن، واستهداف مكتسباتها التنموية. إلا أن التعامل مع هذه التحديات كان دائمًا يقوم على الحكمة، والوعي، والعمل المؤسسي، والتنسيق بين دول المجلس، بما يحقق مصلحة الأوطان ويحفظ أمن المواطنين والمقيمين على حد سواء.
لقد أثبتت القيادات الخليجية أن الإنسان هو محور التنمية وغايتها، وأن المواطن هو الثروة الحقيقية التي تستحق كل رعاية واهتمام. ولذلك كانت السياسات التنموية، والبرامج الاقتصادية، والمشروعات الوطنية الكبرى، تصب جميعها في خدمة الإنسان، وتحسين جودة حياته، وتوفير الأمن والاستقرار والرخاء له، مع المحافظة على الهوية الوطنية والقيم الأصيلة التي قامت عليها مجتمعاتنا الخليجية.
ومن هنا تتجسد العلاقة الفريدة التي تربط بين القيادة والوطن والمواطن، وهو مثلث متين يمثل أحد أهم أسرار نجاح التجربة الخليجية. فالقيادة ترعى الوطن وتحمي مقدراته، وتضع المواطن في مقدمة أولوياتها، والمواطن يبادل قيادته بالثقة والولاء والانتماء الصادق، ويشارك في بناء وطنه والمحافظة على مكتسباته، بينما يبقى الوطن هو المظلة التي تجمع الجميع تحت راية واحدة، عنوانها الوحدة والتكاتف والعمل المشترك.
إن هذا الترابط الوثيق بين القيادة والشعب لم يكن وليد الظروف، وإنما هو ثمرة تاريخ طويل من الثقة المتبادلة، والاحترام، والتلاحم الوطني، وهو ما جعل المجتمعات الخليجية أكثر قدرة على مواجهة التحديات، وأكثر تماسكًا في أوقات الأزمات، وأكثر إيمانًا بأن أمن الوطن مسؤولية مشتركة بين القيادة والمواطن.
ولذلك لم يكن مستغربًا أن تحقق دول الخليج خلال العقود الماضية قفزات تنموية غير مسبوقة في مختلف المجالات الاقتصادية والعلمية والتعليمية والصحية والتقنية والعمرانية. فقد أصبحت مدننا تنافس كبريات مدن العالم، وتحولت اقتصاداتنا إلى اقتصادات متنوعة تعتمد على المعرفة والاستثمار والابتكار، وأصبحت دولنا وجهة عالمية للاستثمار والسياحة والمؤتمرات، ومراكز مؤثرة في التجارة والطاقة والخدمات اللوجستية.
ولم تأت هذه الإنجازات من فراغ، بل كانت ثمرة رؤى إستراتيجية بعيدة المدى، وخطط تنموية مدروسة، وإدارة سياسية تدرك أن التنمية الحقيقية لا تنفصل عن الأمن، وأن الاستقرار هو البيئة الطبيعية التي تزدهر فيها الاقتصادات، وتنمو فيها المجتمعات، وتتحقق فيها تطلعات الأجيال.
كما أن السياسة الخليجية قامت على مبدأ الاعتدال، واحترام القانون الدولي، وتغليب لغة الحوار، ومد جسور التعاون مع مختلف دول العالم، وهو ما أكسب دول مجلس التعاون مكانة دولية مرموقة، وجعلها شريكًا موثوقًا في معالجة العديد من القضايا الإقليمية والدولية، ومثالًا يحتذى في التوازن بين حماية المصالح الوطنية والانفتاح على المجتمع الدولي.
إن المرحلة الراهنة بما تحمله من تحديات سياسية وأمنية واقتصادية، وما يشهده العالم من اضطرابات ومتغيرات متسارعة، تؤكد أكثر من أي وقت مضى أهمية وجود قيادة تمتلك الرؤية الواضحة، والقرار الرشيد، والقدرة على استشراف المستقبل، والتعامل مع الأحداث بعقلانية واتزان، بعيدًا عن التهور أو الانفعال.
فالحكمة في زمن الأزمات ليست ضعفًا، وإنما هي أعلى درجات القوة، وضبط النفس ليس تراجعًا، بل هو تعبير عن الثقة بالنفس والقدرة على اتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب. وقد أثبتت التجارب أن الدول التي يحكمها العقل تنتصر في نهاية المطاف، بينما تدفع الشعوب ثمن القرارات المتسرعة والانفعالات غير المحسوبة.
ومن هذا المنطلق، فإن الحفاظ على أمن الخليج واستقراره مسؤولية جماعية، تتطلب استمرار التلاحم بين القيادة والشعب، وتعزيز قيم الانتماء والولاء، والالتفاف حول المصالح الوطنية، والعمل بروح الفريق الواحد، إدراكًا بأن أمن الوطن وازدهاره هو أساس كل تقدم، وأن المحافظة على المكتسبات الوطنية واجب لا يقل أهمية عن تحقيق إنجازات جديدة.
وفي الختام، فإننا نجدد الحمد لله على نعمة القيادة الحكيمة التي جعلت أمن الإنسان واستقرار الوطن أولوية لا يعلو عليها شيء، وسخرت كل الإمكانات لبناء دول عصرية مزدهرة، تنعم بالأمن والسلام والاستقرار. ونسأل الله عز وجل أن يحفظ قادتنا، وأن يديم على أوطاننا الخليجية نعمة الأمن والأمان، وأن يوفقهم إلى كل ما فيه خير شعوبهم، وأن تبقى رايات دول مجلس التعاون الخليجي عالية خفاقة، تمضي بثبات نحو مستقبل أكثر إشراقًا وازدهارًا، مستندة إلى الحكمة، والعدل، والعمل المخلص، والإيمان الراسخ بأن الأوطان تبنى بالعقول، وتصان بالحكمة، وتزدهر بتكاتف القيادة والشعب.
** **
نائب سابق بمجلس النواب - الأمين العام للمبادرة البرلمانية العربية، مملكة البحرين