د.شريف بن محمد الأتربي
«إذا استطاعت فكرة أن تغيّر ما يضعه الناس على موائدهم، فهي قادرة على أن تغيّر ما يضعونه في عقولهم».
ليست كل الظواهر الاجتماعية تستحق الدراسة، ولكن بعض الظواهر تفرض نفسها لأنها تكسر القواعد التقليدية في التأثير المجتمعي. ومن بين هذه الظواهر يبرز «نظام الطيبات» للدكتور ضياء العوضي -رحمه الله- بوصفه تجربة عربية لافتة، استطاعت في فترة زمنية قصيرة أن تتحول من محتوى توعوي إلى ثقافة غذائية يتداولها ملايين المتابعين في مختلف الدول العربية.
إن تأثير نظام الطيبات للدكتور العوضي -رحمه الله- في ثقافة الغذاء لدى العالم العربي وانتشارها بسرعة هائلة تفوق أي سرعة أخرى لأي نظام أو فكرة على مستوى العالم، وكيف يمكن أن نستفيد من هذه الطفرة الإعلامية الثقافية في توليد نظام تعليمي يلبي احتياجات المجتمعات العربية ويقضي على سوق الدروس الخصوصية كما فعل نظام الطيبات بأسعار السلع في العالم العربي حين تهاوت أسعار البيض والجبن والمخبوزات أمام نظام آمن به صاحبه ووثقه بطريقة علمية، بل وتحدى به من يختلف معه.
نحن هنا لا نقيم النظام ولا واضعه، بل نحن نناقش فكرة التداول الإعلامي وأثره في تحقيق تغيير في الفكر والوعي للمتلقي خاصة مع تعدد قنوات بث الفكرة سواء عن طريق صاحبها أو من يروج لها أو من يحاول الاستفادة منها. وسواء اتفقنا مع جميع أطروحات الدكتور العوضي -رحمه الله- أو اختلفنا مع بعضها أو حتى كلها، فإن الحقيقة التي يصعب تجاوزها هي أن هذا النموذج نجح في الوصول إلى الناس بسرعة استثنائية، وأعاد تشكيل جانب من سلوكهم الاستهلاكي، حتى أصبح المستهلك العربي أكثر اهتمامًا بقراءة المكونات، ومقارنة الأسعار، والبحث عن البدائل، وعدم التسليم بكل ما يقدَّم إليه سواء من طعام أو شراب أو حتى خطط علاجية وأدوية.
ويرى كثير من المتابعين أن هذا الوعي المتزايد، إلى جانب عوامل اقتصادية وسوقية أخرى، أسهم في زيادة الضغط على الأسواق وتعزيز المنافسة، وهو ما انعكس في بعض الحالات على الأسعار وتوفير بدائل متنوعة للمستهلك.
ولكن...
هل القضية في الطعام؟
أعتقد أن القضية أكبر من ذلك بكثير.
إن النجاح الحقيقي لم يكن في تصنيف الأطعمة، وإنما في تغيير الثقافة.
وهنا يبرز سؤال يستحق أن تتوقف عنده مؤسسات التعليم في العالم العربي:
إذا نجح نموذج إعلامي واحد في تغيير ثقافة الغذاء لدى ملايين العرب خلال فترة قصيرة، فلماذا لا نستطيع إحداث ثورة مماثلة في التعليم؟
لقد أنفقت الحكومات العربية خلال العقود الماضية مئات المليارات على تطوير التعليم، وأُطلقت عشرات المبادرات والمشروعات، ورغم ذلك ما زالت الدروس الخصوصية تنمو، وما زال كثير من أولياء الأمور يشعرون بأن المدرسة وحدها لا تكفي، وما زال الطالب يبحث عن مصادر تعليم بديلة.
إذن، فالمشكلة ليست دائمًا في حجم الإنفاق...
بل ربما في طريقة تقديم المعرفة.
لقد قدم «الطيبات» المعلومة بلغة يفهمها الجميع، وبأسلوب مبسط، وربطها بحياة الناس اليومية، وكرر الرسالة حتى أصبحت جزءًا من الثقافة العامة.
وهذا بالضبط ما يحتاج إليه التعليم.
فنحن لا نحتاج فقط إلى مناهج جيدة، أو حتى جديدة، بل إلى ثقافة تعليمية تجعل التعلم جزءًا من حياة الإنسان اليومية، كما أصبح الاهتمام بالغذاء جزءًا من حياته اليومية.
تخيلوا لو أن وزارات التعليم العربية تبنت مشروعًا عربيًا موحدًا، يقدم أفضل الدروس المصورة، وأفضل المعلمين، وأفضل المحتويات التعليمية، مجانًا أو بتكلفة رمزية، وبأسلوب مبسط يناسب جميع الطلبة.
وتخيلوا لو أصبحت المنصات التعليمية الرسمية المصدر الأول للمعرفة، لا البديل الأخير الذي يلجأ إليه الطالب.
وتخيلوا لو أن الطالب في قرية صغيرة يستطيع أن يتلقى الدرس نفسه الذي يتلقاه الطالب في أفضل مدرسة في العاصمة، وأن يصبح المعلم المتميز معلمًا لملايين الطلبة، لا لفصل دراسي واحد.
عندها سيتغير مفهوم التعليم نفسه.
ولعل أهم درس يمكن استخلاصه من ظاهرة «الطيبات» هو أن المجتمعات لا تتغير بالأوامر، بل بالاقتناع.
فالناس لا تغير سلوكها لأن جهة ما طلبت منها ذلك، وإنما لأنها اقتنعت بالفكرة، وفهمت فوائدها، ورأت نتائجها على أرض الواقع.
وهذا ما يجب أن يحدث في التعليم.
فالطالب لا ينبغي أن يتعلم لأنه يخشى الاختبار، وإنما لأنه يدرك قيمة المعرفة.
وولي الأمر لا ينبغي أن يبحث عن الدروس الخصوصية لأنه فقد الثقة في المدرسة، وإنما لأن المدرسة أصبحت المصدر الأول للتعلم الحقيقي.
إن العالم يعيش اليوم ثورة في الوصول إلى المعرفة، ولم يعد احتكار التعليم ممكنًا كما كان في الماضي. فالذكاء الاصطناعي، والمنصات الرقمية، والتعلم التفاعلي، كلها أدوات تعيد رسم مستقبل التعليم، وتمنحنا فرصة تاريخية لإعادة بناء العلاقة بين الطالب والمعرفة.
ومن هنا، فإن التجربة التي قدمها «الطيبات» لا ينبغي أن تُقرأ بوصفها تجربة غذائية فحسب، بل بوصفها نموذجًا في صناعة التأثير المجتمعي.
لقد أثبتت أن الفكرة الواضحة، إذا قُدمت بلغة الناس، وبأسلوب مستمر، وبمصداقية، تستطيع أن تغير السلوك، وتعيد تشكيل الثقافة.
والتعليم أولى بهذه التجربة من أي قطاع آخر.
فإذا استطعنا أن نبني ثقافة تعليمية عربية بالروح نفسها التي بُنيت بها ثقافة الوعي الغذائي، فإننا لن نقلل فقط من الاعتماد على الدروس الخصوصية، بل سنصنع جيلًا يتعلم لأنه يريد أن يتعلم، لا لأنه يريد فقط أن ينجح في الاختبار.
ولعل الوقت قد حان لأن تنتقل وزارات التعليم من مرحلة إدارة التعليم إلى مرحلة صناعة ثقافة التعلم.
فهناك فرق كبير بين أن نعلّم الناس...
وأن نجعلهم يحبون التعلم.
وهنا تبدأ النهضة الحقيقية.
إن الأمم لا تُقاس بما تستهلكه من غذاء فحسب، بل بما تنتجه من معرفة.
وإذا كان الوعي الغذائي قد نجح في إعادة ترتيب سلة الغذاء لدى الأسرة العربية، فإن الوعي التعليمي قادر -إذا أُحسن بناؤه- على إعادة ترتيب أولويات الأمة بأكملها. فإصلاح المائدة مهم..
أما إصلاح العقل، فهو الاستثمار الذي لا ينضب، والثروة التي تبقى مع الإنسان والأوطان.
وأخيرًا... فإنني أوجه دعوة صادقة إلى وزارات التعليم في الوطن العربي، وإلى الجامعات، ومراكز البحوث، وصنّاع القرار، ليتوقفوا قليلًا أمام هذه الظاهرة الاجتماعية، ليس لدراسة الغذاء، بل لدراسة آليات التأثير التي صنعت هذا الانتشار الواسع. فإذا كان مشروع توعوي واحد استطاع أن يغيّر ثقافة الغذاء لدى ملايين العرب، فهل نملك اليوم الشجاعة والرؤية لإطلاق مشروع عربي موحد يغيّر ثقافة التعليم لدى ملايين الطلاب؟
فقد آن الأوان أن ننتقل من إصلاح ما يوضع على موائدنا... إلى إصلاح ما يُبنى في عقول أبنائنا، لأن الأمم لا تنهض بما تأكله، وإنما بما تعرفه، وبما تؤمن به من قيمة العلم والمعرفة.