عبدالله بن عبيد الشهراني
من يرى أن النموذج الحضاري الغربي قد جلب الرفاه والازدهار للبشرية لا يخطئ تمامًا؛ فعلى الصعيد المادي، يصعب إنكار ما أنتجه من وفرة، وتقنية، وطب، وصناعة، وتنظيم، وأسواق، ووسائل راحة لم تكن متاحة للإنسان من قبل. لكنه يخطئ حين يجعل هذا الازدهار المادي هو المقياس النهائي لمعنى الحياة، وكأن الإنسان لا يُقاس إلا بما يملك، ولا ينجح إلا بقدر ما يستهلك، ولا يتقدم إلا بقدر ما ينتج.
لقد منح هذا النموذج الإنسان أدواتٍ كثيرة، لكنه في المقابل جرّده من بعض معانيه الكبرى. جعله أكثر قدرةً على الحركة، لكنه أقل طمأنينة؛ أكثر اتصالًا، لكنه أشد عزلة؛ أكثر إنتاجًا، لكنه أضعف حضورًا مع نفسه وروحه وأهله ومجتمعه. وفي كثير من بيئات العمل الحديثة، تحوّل الإنسان إلى ترسٍ صغير في آلة ضخمة تعمل ليل نهار في خدمة منطق الربح وتعظيم رأس المال، لا لتعمير روحه، ولا لصون كرامته، ولا لتمكينه من أداء رسالته في عمارة الأرض بالمعنى الإسلامي.
فهذه العمارة لا تعني مجرد البناء المادي، ولا تضخيم الأسواق، ولا مراكمة الأرباح؛ بل تعني أن يكون الإنسان خليفةً مؤتمنًا، يسعى إلى إصلاح الأرض لا إفسادها، وإقامة العدل لا سحق الضعفاء، وتسخير المال والعمل والتقنية لخدمة الإنسان لا استعباده.
ومن هنا تظهر مشكلة النموذج المادي حين يختزل الازدهار في الإنتاج والاستهلاك والربح؛ إذ ينزع عن العمل معناه التعبدي والأخلاقي، ويحوّل عمارة الأرض من رسالةٍ إنسانية ربانية إلى سباقٍ مادي محموم، لا تُقاس فيه قيمة الإنسان بما يحمل من معنى، بل بما يضيفه إلى دورة السوق ورأس المال.
ويتجلى هذا الاختزال داخل بيئات العمل حين تُعاد صياغة العلاقات المهنية بمنطق المنافسة الدائمة. فهنا قد تتحول أنظمة الحوافز، في بعض صورها، إلى أداة ناعمة لإدارة الصراع داخل بيئة العمل؛ إذ تنقل مركز التوتر من العلاقة بين العامل والمنظمة إلى العلاقة بين الزملاء أنفسهم. فبدل أن يتساءل العامل عن شروط العمل، وعدالة الأجر، وكرامة الإنسان، ينشغل بمنافسة زميله على المكافأة والترقية والنصيب الأكبر من المكاسب. وبهذا يتحول الزميل من رفيق مهنة إلى خصمٍ صامت، وتضعف روح الجماعة، ويتفكك التضامن المهني، ويضعف أثر أي رابطة جماعية يمكن أن توازن تغوّل المصالح المادية.
ثم لا يقف أثر هذا النموذج عند حدود المكتب أو المصنع، بل ينسحب على ما هو أعمق في حياة الإنسان. فساعات العمل الطويلة، وما يتبعها من ازدحامٍ يبتلع الطريق والوقت والأعصاب، تجعل الإنسان يعود إلى بيته مثقلًا بالإنهاك، حاضر الجسد غائب الروح. وحين يصبح اليوم موزعًا بين عملٍ مرهق وطريقٍ خانق ونومٍ اضطراري، تضيق المساحة التي يصل فيها رحمه، ويطمئن فيها إلى أهله، ويخلو فيها بربه، ويقرأ فيها القرآن، أو يقوم من الليل بما يعيد إلى روحه صفاءها وسكينتها. وهنا لا يكون الاستنزاف ماديًا فقط، بل وجوديًا وروحيًا؛ لأنه لا يأخذ من الإنسان جهده وحده، بل يقتطع من صلته بربه، ومن دفء علاقته بأهله، ومن حضوره في حياته التي خُلق ليعمرها لا ليُستهلك فيها.
إنها رفاهية مشروطة: تعطيك سيارة أفضل، لكنها تأخذ وقتك. تمنحك بيتًا أكبر، لكنها تسرق سكينتك. تفتح أمامك السوق، لكنها تغلق في داخلك باب المعنى. تجعل الإنسان يركض وراء المزيد، حتى ينسى السؤال الأهم: المزيد من ماذا؟ ولأجل ماذا؟ وإلى أين؟
ومن هنا تأتي حكمة الأبيات المنسوبة إلى الإمام علي رضي الله عنه، لتكشف جوهر هذا التصور المختزل للازدهار:
النَفسُ تَبكي عَلى الدُنيا وَقَد عَلِمَت
إِنَّ السَلامَةَ فيها تَركُ ما فيها
فهذا ليس رفضًا للعمران، ولا دعوةً إلى الفقر، ولا إنكارًا لقيمة العمل والإنتاج؛ بل تذكير بأن الازدهار الذي لا يصحبه معنى، والمال الذي لا يزكي النفس، والعمل الذي يسحق الإنسان، ليس ازدهارًا كاملًا، بل صورة براقة من صور العبودية الحديثة.
ثم تأتي الأبيات لتلامس جوهر الفكرة، وتحذّر من التعلّق بالدنيا حين تتحول إلى أفق الإنسان النهائي:
أَموالُنا لِذَوي الميراثِ نَجمَعُها
وَدورُنا لِخرابِ الدَهرِ نَبنيها
هنا يظهر الفارق بين حضارة تجعل التراكم غاية، ورؤية إيمانية ترى المال أمانة، والعمل عبادة، والعمران وسيلة، والإنسان مخلوقًا مكرمًا لا مجرد مورد بشري. فالسؤال ليس: كم أنتج الإنسان؟ بل: ماذا فعل هذا الإنتاج بإنسانيته؟ هل جعله أرحم، أعدل، أصدق، أكثر سكينة، أم جعله آلة متعبة تطارد رقمًا لا يشبع؟
لذلك، نعم، نجح النموذج الغربي الحديث في بناء عالم مادي مدهش، لكنه لم ينجح بالقدر نفسه في إنقاذ الإنسان من خوائه الداخلي. بنى المصانع، لكنه أضعف الروابط. عظّم الأسواق، لكنه صغّر الروح. رفع الإنتاجية، لكنه جعل الإنسان، في كثير من الأحيان، وقودًا لها.أما النموذج الذي نحتاج له، فليس نموذجًا يرفض المادة، بل يضعها في موضعها الصحيح: خادمةً للإنسان لا سيدةً عليه. نموذج يرى العمل وسيلة للكرامة لا طريقًا للاستنزاف، ويرى الربح مشروعًا ما لم يتحول إلى غايةٍ مطلقة تُضحى في سبيلها الأرواح والعلاقات والعدالة.فالازدهار الحقيقي ليس أن تمتلئ المدن بالأبراج، وتفرغ النفوس من السكينة؛ ولا أن تكبر الأرصدة، وتصغر القلوب؛ ولا أن ترتفع مؤشرات السوق، بينما ينكسر الإنسان في داخله. الازدهار الحقيقي أن تبني الدنيا دون أن تهدم الآخرة، وأن تعمر السوق دون أن تخرب الروح، وأن تجعل الاقتصاد في خدمة الإنسان، لا الإنسان في خدمة الاقتصاد.