د.عبدالله الفايز
أود بدايةً أن أعبر عن إعجابي الكبير بمبادرات الرؤية وإنجازاتها وسبق أن كتبت عن تفوق رؤية المملكة مقارنة بمجموعة من الدول. وأحد روافد الرؤية هو المشاريع العملاقة مثل نيوم والبحر الأحمر والمربع وغيرها من المشاريع الحيوية. ولكني توقفت عند المشروع الأخير وهو بناء برج أيقوني بطول 2 كم. وهو مشروع لا يمثل مجرد مبنى شاهق، بل خطوة تاريخية تضع مدينة الرياض في مقدمة مدن المستقبل والهندسة المتقدمة عالميًا. وأكتب اليوم بصفتي مهندسًا معماريًا ومستشارًا في الإشراف وإدارة المشاريع بخبرة تتجاوز خمسين عامًا في تنفيذ وإدارة المشاريع الكبرى، إضافة إلى اهتمامي العميق بالعمارة المستقبلية والمباني الذكية والهندسة القيمية، والتي أؤمن أنها ستكون عنصرًا حاسمًا في نجاح أي مشروع عملاق بهذا الحجم. حيث أحببت أن أدلي برأي في بعض الملاحظات التي أرى أنها يجب أن تؤخذ في الاعتبار خلال مراحل التصميم والتنفيذ والتشغيل، خصوصًا في المجالات التالية:
أولًا: الهندسة القيمية وتقليل التكاليف المستقبلية
من واقع الخبرة، فإن الأبراج فائقة الارتفاع لا تتأثر تكلفتها فقط أثناء البناء، بل خلال خمسين أو مئة سنة من التشغيل والصيانة. لذلك يجب الاحتياط للأعمال التالية:
* مراجعة الأنظمة الإنشائية لتقليل الوزن الذاتي للمبنى دون التأثير على السلامة.
* اقتراح حلول تقلل استهلاك الطاقة والتكييف والصيانة مستقبلاً.
* تقليل التعديلات المتأخرة المكلفة عبر مراجعات تنفيذية مبكرة.
* تطوير حلول مرنة تسمح بتعديل وظائف الأدوار مستقبلاً دون هدم أو إعادة بناء.
* دراسة دورة الحياة التشغيلية (Life Cycle Cost) وليس فقط تكلفة الإنشاء.
ثانيًا: التنفس والضغط الجوي في الأدوار العليا
إن أحد المواضيع المهمة في الأبراج فائقة الارتفاع هو تأثير الارتفاع الكبير على الإنسان والأنظمة التشغيلية. فمدينة الرياض تقع أصلًا على ارتفاع يقارب 600 متر فوق سطح البحر، وإذا ارتفع البرج حوالي 800 متر إضافية، فإن أعلى الأدوار ستكون على ارتفاع يقارب 1400 متر فوق سطح البحر. وعند هذا الارتفاع:
* ينخفض الضغط الجوي بنسبة ملحوظة مقارنة بمستوى سطح البحر.
* تقل كمية الأكسجين الفعّال التي يحصل عليها الجسم مع كل شهيق، رغم أن نسبة الأكسجين في الهواء تبقى تقريبًا 21%.
* قد يشعر بعض الأشخاص بسرعة نبض أعلى أو تعب بسيط أو ضيق تنفس خفيف عند النشاط البدني.
لكن هذه التأثيرات ليست خطيرة، ويمكن التحكم بها هندسيًا بالكامل داخل المبنى. ومن هنا تأتي أهمية تصميم:
* أنظمة تكييف وضغط هواء ذكية (Pressurized HVAC Systems).
* المحافظة على ضغط داخلي مريح في الأدوار العليا.
* التحكم بالرطوبة وجودة الهواء ونسب ثاني أكسيد الكربون.
* أنظمة مراقبة صحية وبيئية ذكية داخل البرج.
* تصميم فراغات داخلية تقلل الإجهاد البشري الناتج عن الارتفاع.
وأرى أن البرج يمكن أن يصبح نموذجًا عالميًا في «الراحة البيئية الرأسية»، وليس فقط في الارتفاع.
ثالثًا: مقاومة الرياح والزلازل وصمود المبنى
إن التحدي الحقيقي في الأبراج العملاقة ليس التنفس، بل القوى الهوائية الهائلة الناتجة عن الرياح على ارتفاعات كبيرة. فكلما ارتفع المبنى:
* ازدادت سرعة الرياح وقوة دفعها.
* زادت التذبذبات الأفقية للمبنى.
* تأثر شعور الإنسان بالحركة داخل الأدوار العليا.
ومن هنا تأتي ضرورة:
* تصميم انسيابي يقلل مقاومة الرياح. ويمنع الزلازل
* استخدام أنظمة تخميد ذكية للحركة (Mass Dampers).
* توزيع الكتل المعمارية بطريقة تقلل الدوامات الهوائية.
* دراسة تأثير الرياح النفقية حول البرج وعلى المشاة.
* تطوير واجهات قادرة على امتصاص الإجهاد الحراري والهوائي.
* استخدام مواد خفيفة وعالية المقاومة في الأجزاء العليا.
كما أقترح إنشاء مركز مراقبة ذكي داخل البرج لقياس:
* سرعة الرياح.
* انحرافات الهيكل.
* الاهتزازات الدقيقة.
* الأحمال الحية والمتغيرة.
الحالة الإنشائية اللحظية للمبنى باستخدام الذكاء الاصطناعي.
رابعًا: النقل الجوي الحضري والمستقبل الرأسي
أعتقد أن أي برج يتم تصميمه اليوم بارتفاع استثنائي يجب أن يكون مستعدًا لعصر المركبات الطائرة والدرونز الشخصية، وليس فقط السيارات التقليدية.
لذلك أقترح دراسة:
* مواقف ومهابط للتاكسي الطائر
* إنشاء منصات متعددة موزعة على بعض الأدوار العليا تشمل:
* مواقف للتاكسي الطائر الكهربائي.
* مواقف للمركبات الجوية الشخصية.
* مناطق هبوط وإقلاع آمنة.
* أنظمة توجيه ومراقبة ذكية للطيران الحضري.
* عزل صوتي واهتزازي لهذه المناطق.
* مصاعد مباشرة تربط هذه المنصات بالفنادق والمكاتب والشقق.
وهذه المرافق قد تصبح خلال سنوات عنصرًا أساسيًا في الأبراج المستقبلية.
خامسًا: مواقف متعددة الأدوار ذكية
يمكن تطوير مفهوم جديد للمواقف داخل البرج يشمل:
* مواقف روبوتية بالكامل بدون سائق.
* أنظمة تخزين رأسية للسيارات.
* إدارة ذكية للحركة والازدحام.
* محطات شحن كهربائي متقدمة.
* أنظمة استدعاء السيارات آليًا.
* فصل مسارات الخدمات عن مسارات السكان والزوار.
كما يمكن دمج المواقف التقليدية مع المواقف الجوية المستقبلية ضمن نظام تنقل رأسي متكامل.
سادسًا: محطات الدرونز والخدمات اللوجستية الجوية
أرى أن من الضروري التخطيط منذ الآن لاقتصاد الخدمات الجوية المستقبلية.
لذلك أقترح تخصيص محطات خارجية في بعض الأدوار لاستقبال وإرسال:
* الطرود.
* البريد السريع.
* الأدوية.
* الخدمات اللوجستية العاجلة.
وذلك عبر طائرات الدرونز الذكية. ويمكن أن تشمل هذه المحطات:
* مناطق هبوط آمنة ومحمية.
* أنظمة فرز آلية.
* ربط مباشر بالمصاعد والخدمات الداخلية.
* روبوتات توصيل داخلية.
* أنظمة أمان ومراقبة إلكترونية متقدمة.
وهذا سيجعل البرج مركزًا متكاملًا للخدمات اللوجستية الرأسية المستقبلية.
سابعًا: المبنى الذكي والروبوتات
أرى أن برجًا بهذا الحجم يجب أن يعتمد على الذكاء الاصطناعي والروبوتات منذ البداية، وليس كإضافات لاحقة. ومن ذلك:
* روبوتات تنظيف الواجهات.
* روبوتات الأمن والمراقبة.
* روبوتات الصيانة والفحص.
* روبوتات نقل الأمتعة والطعام.
* أنظمة إدارة ذكية للطاقة والمياه والحشود.
* توأم رقمي كامل (Digital Twin) للمبنى لمراقبة الأداء والتنبؤ بالأعطال.
إنني أؤمن أن هذا المشروع يمكن أن يصبح ليس فقط أعلى برج، بل أول مدينة رأسية ذكية متكاملة في المنطقة، تجمع بين العمارة والهندسة والذكاء الاصطناعي والنقل الجوي الحضري والاستدامة المستقبلية. ويسعدني أن أتطوع مع المسؤولين بخبرتي ودراساتي وأفكاري ، وأن أشارك في هذا المشروع التاريخي كمستشار يسهم في تعزيز كفاءته وتقليل مخاطره ورفع قيمته المستقبلية عالميًا.