د. هيا بنت عبدالرحمن السمهري
نتفقُ كثيراً أن الخطاب المؤسسي التربوي لابدّ أن يكون متينا وعميقا! فالمنصات الكاشفة للمجتمعات لا يغيبُ عنها العمق والمتانة؛ ولذلك فإن مستهدفاتها تدخل ضمن الأهداف الجليلة من المشروع الحضاري الذي أُشرعتْ له نوافذ الرؤية الوطنية العملاقة 2030 «حيث إن توجيه الفكر وتغذيته بالقيم العليا يثري واقع الناس وتخضر الأرض وتندى وتعشوشب، فلابد من تحفيز القيم وصناعة الفكر المعتدل الذي يجعل المتلقي يتذوق رحيق وطنه قناعة باستحقاقه ليكون شخصية سوية تملك القدرة الناقدة المحفزة؛ وبالتالي تملأ تلك الشخصية فضاءات التنمية بكل طاقاتها، بمعنى أن تكون سلامة الفكر من أولويات الاستهداف الفكري المجتمعي المأمول فالنسق غير المعتدل في الفكر يسمح للعدائية أن تجد لها بيئات خصبة؛ ومن ثم يتحول إلى اعوجاج بشري عندما ينصهر ذلك الفكر في سلوك يؤدي إلى التشظي والانقسام.
وبلادنا الغالية في عهدها الزاهر بذلتْ غزيرا وصنعت مسيرا تجلّى في التعامل مع ذلك الملف الذي تقاذفته الأيدي في بعض الأزمنة حتى تلوث في بعض دروبه فكان نتاج الحصاد هشا في بعض مفاوزه! ولقد سعتْ بلادنا بكل طاقاتها لبناء استراتيجية متينة لصناعة مقومات الاعتدال والوعي لتعزيز المواطنة الحقيقية، وبث الروح الإيجابية عن الوطن وقيادته الرشيدة ومقدراته، وأن التنمية الوطنية تشارُك وائتلاف، فبرزتْ بنود عليا متينة مكنتْ من فحص الواقع نظاما؛ وثمة فضاء واسع لتحويل الواقع إلى فرص مجزية من الوعي الخلاّق، وصياغة مقاربات تفاعلية يُحسنُ فيها اختيار المتفاعلين مع عقول الشباب في منشآت التعليم وسواها، فأصبح من الأولوية تطوير تلقي الموضوعات على نطاق المستهدفين! وذلك لأن العلاقة شبه منقطعة بين التصور الذهني المطلوب ومستوى الوعي الماثل، فبناء منصة قوية للانطلاق تبدأ من تشخيص أمين للواقع يقف عند اكتشاف العمق دون الوقوف على مظاهر انحراف الفكر الشكلية إن وجدتْ!
فهناك في بعض المنشآت حزم من الفكر الآخر لم يتم اكتشافها فلا يمكن أن يتغير سلوك المستهدفين دون سبر واقع تلك الحزم الفكرية ومحتوياتها.
ومايزال الوعي المجتمعي مفهوما واسعا ينبغي ترتيب أولوياته واستشراف مستقبله استدلالا على واقع الفكر الممارس ظاهريا؛ والمخاتل أحيانا، فإن الشق الآخر من عملية النقش الجميل بالفكر الأجمل هو تكوين نتاج فكري متنوع قوي متين، وأن يتم توجيه المتعلمين والممارسين في المدارس والجامعات من الجماعات المتعلمة حتى يكونوا موئلا للإيجابيات الحافزة؛ وأن يكون الاختلاف مصدر فكر تنافسي إيجابي عميق؛ فالتعليم أداة للتغيير؛ والتربية وسيلة للبقاء والتعايش والاستمرار، فنأمل ألا تكون مسارات الوعي براقة لامعة والمستهدفون غائبين عن الحضور!! بل نتطلع أن يكون الوعي وترقية الفكر ذراعا قوية تعزز الانتماء الوطني وتوفر الحماية الفكرية؛ وأن نحمل وعيا يضاهي الوعي الفكري المراد نشره وتأصيله، وحيث تواجه مؤسسات التعليم صعوبة في إيجاد الوقت والحيّز الفكري لبناء علاقات وطنية هادفة أو المشاركة في حوار عميق مجز نفسيا وفكريا أو إظهار الوعي العاطفي الذي هو من المتكآت التي يجب أن تبنى من الثمين الغالي فلابد من إيجاد فضاءات رحبة من الوقت ضمن الخطط الدراسية تستوعب المستهدف..
وختاما هنا في بلادنا الغالية تنهمرُ غيمة تبهج منصات الفكر المعتدل وتؤطر لحقبة بيضاء تسر الناظرين ولوطن لا أبهى ولا أجمل ولا أغلى منه «فوق هام السحب».