عبد الله سليمان الطليان
السعادة.. كلمة صغيرة تحمل في طياتها ألغازًا كبرى، شغلت فلاسفة العالم، وتاه في البحث عنها الشعراء، وجعلها الأنبياء هدفًا أسمى لدعواتهم. لكن السؤال الأزلي يبقى: أين توجد هذه السعادة التي نلهث خلفها؟ هل هي في المال؟ أم في السلطة؟ أم في المتع الحسية العابرة؟ أم أنها شيء آخر أعمق وأبقى؟
يخطئ كثير من الناس فيظنون أن السعادة تكمن في كثرة المال أو اتساع الملك، لكن الواقع والتجارب تدحض ذلك. يقول الله تعالى في محكم كتابه: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً} (النحل: 97). فالحياة الطيبة -أي السعادة الحقيقية- ربطها الله بالإيمان والعمل الصالح، وليس بكثرة المال.
ويؤكد هذا المعنى الفيلسوف الألماني (شوبنهاور) حين قال: «إن ما نحن عليه هو ما يمنحنا السعادة، وليس ما نملكه.» فالفقراء قد ينامون قريري الأعين، والأغنياء قد يسهرون مكتئبين، مما يثبت أن السعادة لا تشترى بالعملات.
قال النبي محمد صلى الله عليه وسلم: «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم، كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى». هذا الترابط يخلق بيئة دافئة تطرد الوحدة والكآبة، وهي السعادة الاجتماعية الحقيقية. وفي القرآن أيضًا: {وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ} (الأنفال: 63)، فالتآلف والتراحم نعمة تفوق كل كنوز الأرض.
يقول الشاعر المصري أحمد شوقي:
إنما الأمم الأخلاق ما بقيت
فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا
فالأخلاق من حب وعطف ورحمة هي عماد بقاء المجتمعات، وسعادة الفرد لا تنفصل عن سعادة الجماعة. أما إذا كان الحب يمنحنا السعادة مع الآخرين، فإن الرضا يمنحنا السعادة مع أنفسنا.
يرى الفيلسوف اليوناني (أبيقور) أن السعادة هي «غياب الألم في الجسد، واضطراب النفس»، أي أن السلام الداخلي هو غاية السعادة. بينما يرى الرواقيون (مثل «ماركوس أوريليوس») أن السعادة تكمن في تقبل ما لا نقدر على تغييره، والعمل على ما نقدر عليه بتسليم وهدوء.
يقول الشاعر عمر الخيام:
في جوهر الروح خذ القرار
ولا تبالي بالزمان الدوار
فهو يدعو إلى تحرير الروح من التعلق بالمظاهر. ويؤكد (جبران خليل جبران) هذا المعنى في مقولته الخالدة: «السعادة ليست في أن تعيش طول العمر، بل في أن تعيش معنى الحياة». فالمعنى هو ما يمنح النفس سكينة لا تهزها العواصف.
السعادة ليست كومة من الأشياء المأخوذة، بل هي شعور ينبع من العطاء.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يد الله ملأى لا يغيضها نفقة، سحاء الليل والنهار». فعطاء الله لا ينقص، وعطاء الإنسان لخصاله يرد له أضعافًا في النفس قبل اليد.
يقول الشاعر إيليا أبو ماضي:
أحب الحياة لأنها عطاء
ولأنني منها أشد العطاء
فهو يرى أن السعادة ليست في نهب الحياة، بل في رد الجميل لها والعطاء فيها، وهذا ما يمنح الإنسان شعورًا أبديًا بالغنى الحقيقي.
إذن، أين تكمن السعادة؟ ليست في بنوك المال، ولا في قصور السلطة، ولا في لحظات المتعة الزائلة. السعادة تكمن في (قلب يحب، وكف تعطي، ونفس ترضى، وعقل يدرك معنى الوجود) إنها قرار داخلي نزرعه يوميًا بالامتنان، ونرويه بالعطاء، ونجعله ينمو بالتواصل الإنساني الصادق. حين ندرك ذلك، نعيش الحياة الطيبة التي وعدنا بها الخالق، ونصبح كالقمر الذي لا ينقصه أنه يضيء للآخرين، بل يزداد بهاءً.