هيا الدوسري
يظن بعضنا أن سر نجاح مواقع التواصل يكمن في التقنية، وسرعتها، وخوارزمياتها، بينما الحقيقة أن التقنية ليست سوى الجسر، أما الوجهة الحقيقية فهي الإنسان. فلو كانت مواقع التواصل مجرد تطبيقات صامتة لا يقف خلفها بشر، هل كنا سنطرق أبوابها؟
بالطبع لا.
نحن لا نبحث عن الشاشات، بل عمّن يسكنها.
أي مكان في الدنيا يخلو من وجود البشر لن يدخله البشر؛ فالحياة لا يصنعها الحجر، وإنما يصنعها الإنسان. وينطبق ذلك على مواقع التواصل؛ فنحن نراها مأهولة بالحياة لأنها مأهولة بالناس.
ولهذا أشبه هذا العالم الرقمي بالسماء؛ تتفاوت فيه الأجرام في بريقها، وحجمها، وحركتها، وقربها من الأرض أو بعدها. فمنها ما يسطع كالشمس، ومنها ما يضيء كالقمر، ومنها ما يشبه الزهرة، ومنها كويكبات صغيرة لم يكتمل لمعانها بعد.
لقد هاجر البشر إلى تلك الكواكب، واتخذوا منها منافذ يطلون بها على من تركوهم خلفهم على كوكب الأرض. فالواقعيون الذين لا يتصنعون في ظهورهم ليسوا نجومًا، أما الذين التحقوا بتلك الكواكب الرقمية فقد أصبحوا جزءًا منها، يلمعون في فضائها، حتى بدا وكأن العودة إلى الأرض تعني خفوت ذلك اللمعان، مع أنهم لا يزالون في النهاية جزءًا من أهل الأرض.
غير أن الكواكب لا ترسل الضوء نفسه؛ فبعضها يبعث نورًا هادئًا، وبعضها يرسل شررًا يسقط على من في الأرض فيؤذيهم.
لذلك، تذكّر أيها النجم الرقمي أنك بشر، تنتمي إلى الأرض مهما علوت، وأن نجوميتك ليست ذاتية، بل اكتسبتها من تلك الكواكب الرقمية.
وتذكّر أيضًا أن من يرصدونك ويتابعونك يعيشون هم كذلك بين الكواكب الرقمية، يكتشفون كل يوم كوكبًا جديدًا، ويتنقلون بينها، ويتعرفون على سكانها، وحياتهم، وعاداتهم، وفنونهم المختلفة. فمنهم من يكتفي بما هو عليه من استقرار ورضا، ومنهم من يخطط للحاق بتلك الكواكب ليصبح واحدًا منها. وكثيرون لا يبحثون عن الشهرة، بل عن الألفة، وعن حديث جميل، أو فكرة جديدة، أو شخص يشبههم في الاهتمامات. لذلك تجد بعض الحسابات تعج بالزوار، ليس لأنها تقدم أعظم المحتوى، بل لأن من فيها منحوا الآخرين شعورًا بالراحة والانتماء.
والغريب أن المنصات كلها قد تتشابه في الشكل، لكن الناس لا يتعلقون بالمنصة نفسها، وإنما بالأشخاص الذين يعيشون فيها. فلو غادر الجميع مكانًا ما، لتحول إلى مساحة صامتة مهما بلغت روعة تصميمه.
فالناس، في النهاية، لا تبحث عن التطبيقات، بل تبحث عن الناس.