د. ناهد باشطح
فاصلة:
«الباطل يطير، بينما تأتي الحقيقة متعثرة من خلفه»
-جونثان سويفت-
من أشهر القصص في تاريخ الإعلام التي تدل على تأثير الأخبار الزائفة، أنه في عام 1938 قدّم Orson Welles تمثيلية إذاعية عن غزو كائنات فضائية للأرض بعنوان» War of the Worlds radio broadcast»
ونشرت الصحف حينها ذعر الناس لظنهم أن الغزو حقيقي، ورغم أن الدراسات اللاحقة أشارت إلى أن حجم «الذعر الجماعي» كان أقل مما رُوي لاحقاً، فإن الحادثة أصبحت مثالًا على قوة الرسائل الإعلامية عندما يكون الإنسان خائفًا أو متوترًا، فتقل قدرته على التحقق.
تذكرت هذه القصة عندما سألتني إحدى الصديقات الأسبوع الماضي بقلق: «هل صحيح أن الشرطة في بريطانيا بدأت تحتجز أطفال الأسر العربية؟» بعد انتشار خبر غير صحيح في مواقع التواصل الاجتماعي عن حادثة لخليجيين في لندن.
لم يكن السؤال هو ما لفت انتباهي، بل أنها لم تسأل: من نشر الخبر؟ أو أين المصدر؟ سألت فقط: هل هو صحيح؟
وتساءلت لماذا أصبح نشر الخبر أهم من معرفة صحته؟
ومن الذي قتل ثقافة التحقّق؟
الفكرة ليست أن الناس حين يتداولون هذه الاخبار يكذبون عمدًا، بل أن هناك دوافع نفسية واجتماعية تجعلهم يشاركون الخبر بسرعة، دون أن يهتموا بوجود مصدر رسمي في الخبر، وقد بينت دراسة لمعهد «MIT» أن الاخبار الكاذبة تنتشر أسرع بـ6 مرات من الحقيقة، فالخبر الكاذب لا ينتشر لأنه مكتوب جيدًا فقط، بل لأسباب عدة منها:
1 - الكسل الفكري
دماغ الإنسان مهيأ لاتخاذ قرارات سريعة، لذلك عندما يرى الإنسان خبراً ينسجم مع معتقداته، فإنه يميل إلى قبوله دون تردد.
2 - الاستثارة العاطفية
عندما يثير الخبر مشاعر كالخوف أو الغضب، ينشط الجهاز الانفعالي في الدماغ قبل أن يبدأ التفكير التحليلي، لذلك تنتشر الأخبار المثيرة أسرع من الأخبار الهادئة.
3 - الحاجة إلى الشعور بالأهمية
مشاركة خبر جديد تمنح بعض الناس لا شعورياً التقدير، وبأنهم يملكون معلومة لا يملكها الآخرون.
4 - عدوى المشاعر
إذا امتلأت مجموعة معيّنة برسائل غاضبة أو خائفة، يبدأ الأفراد بتبني الشعور نفسه حتى قبل التحقق من صحة الخبر، لأن ما ينتشر ليس الخبر، بل المشاعر التي يحملها.
5 - الثقة في مصدر الخبر
إذا أرسل الخبر شخص نحبه أو نحترمه او موقع اليكتروني نثق فيه، فإننا غالبًا نقلل من الشك في صحته.
6 - وهم التكرار
يميل الانسان إلى تصديق المعلومة كلما تكررت، حتى لو كانت خاطئة، حيث يخلق التكرار إحساسًا زائفًا بالألفة، التي تفسر بالصدق.
الإشكالية التي افرزتها مواقع التواصل الاجتماعي أنها تعتمد على أساليب صحافة الاثارة التي لم تكن تقبلها الصحافة الجادة ولا الناس، بينما اليوم أصبحنا نستهلك الأخبار، بسرعة نتفاعل، نشارك في تداولها، متغافلين عن أثرها الذي قد يبقى طويلًا على الأشخاص والمؤسسات والمجتمع. أمضيت سنوات في الصحافة أتعلّم أن الخبر لا يبدأ بالنشر، بل بالسؤال: من قال؟ وأين الدليل؟ لكن في عصر وسائل التواصل، يبدو أن السؤال الأول أصبح: هل هو مثير بما يكفي لنشره أو لإعادة إرساله؟
في الماضي كانت مسؤولية التحقق تقع على الصحفيين، أما اليوم، فكل هاتف ذكي أصبح صحيفة، وأصبحت مسؤولية التحقق مسؤولية كل فرد.
ولم يعد السؤال فقط عن أخلاقيات الإعلام، بل عن أخلاقيات المواطن الناشر.