أمل حمدان الشريف
لم يكن اقتناء الكتب في زمنٍ مضى ترفًا ثقافيًا، ولا مظهرًا اجتماعيًا، بل كان عنوانًا للوعي، ودليلًا على أن صاحب المكان يحمل من المعرفة ما يجعله يُجالس العقول، حتى وإن غاب أصحابها. وكانت المكتبة في المنزل أو المكتب تحظى بمكانةٍ لا تقل عن مكانة مجلس الضيوف، لأن هيبة الإنسان كانت تُقاس بما يقرأ، لا بما يقتني. كان الزائر، وهو يطالع رفوف الكتب، يقرأ شيئًا من شخصية صاحبها. فهذه عناوين في التاريخ، وتلك في الأدب، وأخرى في الفكر، ورابعة في الشعر، وكأن المكتبة سيرةٌ ذاتية مكتوبة بلغة المعرفة. ولم يكن الكتاب يُرتب ليُرى، بل ليُقرأ، ولم تكن صفحاته تبقى ناصعة البياض، بل كانت تمتلئ بخطوط القارئ، وتعليقاته، وآثار رحلته مع الفكرة. وللكتاب آنذاك هيبة لا تُضاهى. كان يُهدى في المناسبات، ويُستعار بثقة، ويُعاد بامتنان، وكانت المكتبات العامة تضج بروادها، لا بضجيجها، لأن القارئ كان يدرك أن المعرفة لا تُنال على عجل، وأن بناء العقل يحتاج إلى صبر، كما تحتاج الأرض إلى من يزرعها قبل أن تجود بثمارها. ثم جاءت التقنية، فاختصرت المسافات، وقرّبت المعلومة، وفتحت أبوابًا واسعة أمام المعرفة، وهي نعمة لا يمكن إنكارها. لكن المشكلة لم تكن في التقنية، بل في علاقتنا بالكتاب. إذ تحولت المكتبة في بعض البيوت إلى قطعة أثاث، وغدت الكتب تكتسي بالغبار أكثر مما تكتسي بآثار القراءة، حتى أصبح الغبار شاهدًا على هجرٍ لم يكن مألوفًا في زمنٍ كانت فيه القراءة عادةً يومية.
وليس المقصود أن نعود إلى الورق على حساب الشاشة، فالمعرفة اليوم تتعدد أوعيتها، وإنما أن نحافظ على قيمة القراءة نفسها. فالكتاب، سواء كان ورقيًا أو رقميًا، ليس مخزنًا للمعلومات فحسب، بل مدرسة في التأمل، وتدريب على الصبر، وحوار ممتد بين عقل الكاتب وعقل القارئ.
إن الأمم التي تحترم الكتاب لا تفعل ذلك لأنه ورقٌ وحبر، بل لأنه وعاء الفكر، وذاكرة الحضارة، وأداة بناء الإنسان. ولهذا لم يكن غريبًا أن تبدأ نهضات الأمم من مكتبة، ولا أن يُخلّد التاريخ أسماء من جعلوا الكتاب رفيقًا لهم قبل أن يصبحوا صناعًا للتاريخ. ولعل السؤال الذي يستحق أن نطرحه على أنفسنا اليوم: هل احتل الغبار رفوف مكتباتنا فقط، أم بدأ يحتل علاقتنا بالقراءة أيضًا؟ فإن كان الجواب مؤلمًا، فالعلاج ليس في شراء مكتبة جديدة، بل في أن نعيد للكتاب مكانه في يومنا، وللقراءة مكانها في حياتنا، وللمعرفة هيبتها التي تستحقها.
فالكتاب لا يطلب منا أكثر من أن نفتح صفحاته.. لكنه في المقابل يفتح لنا آفاقًا لا تنتهي.