قديماً كانت المحطة الأخيرة التي يترقبها الطلاب هي الاختبارات الوزارية التي تأتي نهاية العام الدراسي في مرحلة الصف الثالث الثانوي؛ أما اليوم فقد أصبح التحصيلي اختباراً يصنع موسمه الفريد، فلم يعد مجرد اختبار محدود الوقت والمنهج، بل ثقافة تعليمية قائمة بذاتها، حيث أعاد تشكيل عادات التعلم لدى الطلاب في المرحلة الثانوية، ولا نبالغ إذا قلنا إنه أحدث تحولاً كبيراً في الممارسات التعليمية لدى معلمي المواد العلمية بشكل خاص (حيث إن أغلب المدارس في المملكة العربية السعودية تضم المسار العام كأساس بالإضافة إلى المسارات الأخرى التي تُصنف كعلمي) في المرحلة الثانوية.
ولأن الاختبار التحصيلي أثّر وأعاد تشكيل الممارسات التدريسية لدى المعلمين، فلا بد أن نُلقي الضوء على هذه الحقيقة التي يعرفها معلمونا ومن هم في الميدان الحقيقي بحكم وجودهم مع الطلاب، والأقرب فهماً لاحتياجات وتحديات طلابهم مع الاختبار التحصيلي، بالإضافة إلى ربط مخرجات الاختبار بالتقييم المدرسي العام.
كلها أسهمت في جعل المعلمين يكيّفون أساليب شرحهم بما يتوافق مع المهارات والأنماط المرتبطة بالاختبار التحصيلي؛ لرفع درجات طلابهم، والتي بدورها تنعكس على التقييم العام للمدرسة.
بالرغم من ذلك، استطاع غالبية المعلمين، ولا سيما من خاض تجربة الرخصة المهنية بدرجة عالية، ومن لديه خبرة بالمقرر، أن يوازن بين متطلبات المنهج الدراسي والأساليب الحديثة في التدريس ومتطلبات الاختبار التحصيلي.
وسنوضح الفرق بين المتطلبين للقارئ من خارج الميدان التعليمي بصورة مبسطة؛ في حين تتجه الأساليب التدريسية الحديثة إلى المشاركة الفعالة ومراعاة الفروق الفردية وبناء الفهم والمهارات الإبداعية والإستراتيجيات التي تدعم التعلم الاستقصائي والتعاون في المشاريع وغيرها، فإن متطلبات التحصيلي التي يراها المعلم تُركز على مهارات التلخيص والتدريب المكثف على نمط الأسئلة وتدريبات الحل السريع وربط القوانين بالنقاط المتوقعة، وبالرغم من أن أغلب هذه المهارات قد تكون من ضمن الأساليب التدريسية، إلا أنه قد تتراجع بعض الممارسات التعليمية الأساسية لصالح المتطلبات المناسبة لاجتياز الاختبار التحصيلي.
في الحقيقة، كل هذا لا يعني أن يكون هناك تعارض بين المتطلبين؛ فالمعلم الممارس والمتمكن من منهجه وأساليبه التعليمية قادر على عدم الإفراط بالتركيز على مهارات التحصيل على حساب جودة التعليم، فأسئلة الاختبار تحتاج إلى مستويات من الفهم والتطبيق والتحليل بشكل أكبر من مستويي التقويم والإبداع، وهذا ملحوظ في الاختبارات المعيارية بشكل عام. لذلك نأتي هنا إلى ضرورة إيجاد موازنة واقعية بين ما يتعلمه الطلاب في المدرسة وبين ما يتعلمونه من مقتضيات الاستعداد للتحصيلي. وهذا ليس دور المعلم فقط، بل تبرز مسؤولية الجهات المعنية بالتدريب والنمو المهني للمعلم في تعزيز قدرة المعلم على المواءمة بين هذه التوقعات التعليمية المتداخلة.
يبقى التحدي الفعلي ليس في الاختبار التحصيلي بحد ذاته، بل في صياغة ثقافة تعليمية تنجح في تحقيق نجاح تعليمي يجعل الاختبار التحصيلي أحد نواتجه.
** **
- د. عابدة العنزي