د. محمد ضيف الله السلمي
يُعد البحث التربوي أحد أهم مداخل عملية تطوير التعليم وتحسين ممارساته؛ إذ لم يعد تطوير العملية التعليمية قائمًا على الاجتهادات الفردية أو الانطباعات العامة، بل أصبح يعتمد على الأدلة والبيانات والنتائج العلمية التي تساعد في فهم الواقع التعليمي، وتشخيص مشكلاته، واقتراح الحلول المناسبة له، فالتعليم بما يتضمنه من مناهج وطرق تدريس وتقويم وبيئات تعلم ومعلمين وطلاب، ميدان واسع ومتغير، يحتاج إلى بحث مستمر يواكب تطوراته ويكشف احتياجاته، ومن خلال البحث التربوي يمكن التعرف على واقع الممارسات التعليمية، وقياس فاعلية البرامج والاستراتيجيات، وتحليل اتجاهات المعلمين والمتعلمين، والكشف عن المعوقات التي تحد من جودة التعليم، كما يسهم البحث التربوي في مساعدة صانع القرار على بناء السياسات التعليمية وفق معطيات علمية أكثر دقة، ومن هنا فإن البحث التربوي لا يمثل ترفًا أكاديميًا، بل ضرورة من ضرورات الإصلاح والتطوير، غير أن أهمية وأهداف البحث التربوي لا تتحقق بمجرد كثرة الدراسات أو تعدد عناوينها، وإنما من خلال جودة الممارسة وسلامة الإجراءات وموثوقية النتائج، فقد تُنتج بعض البحوث نتائج غير دقيقة عندما تُمارس دون تأهيل كافٍ، أو عندما لا تُبنى أدواتها بطريقة علمية، أو تُستخدم فيها أساليب تحليل غير مناسبة، أو تُفسر نتائجها بعيدًا عن حدود المنهج والعينة والبيانات، وفي مثل هذه الحالات قد تتحول بعض البحوث من وسيلة للتطوير إلى مصدر لنتائج مضللة أو توصيات غير قابلة للتطبيق.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى التفكير في تنظيم الممارسة البحثية، لا بوصفه تضييقًا على الباحثين، ولا تقييدًا لحرية البحث العلمي، وإنما بوصفه مدخلًا لتحسين جودة البحوث ورفع موثوقية نتائجها، فتنظيم الممارسة البحثية يعني أن يكون من يمارس البحث العلمي وبخاصة في المجال التربوي، ممتلكًا للحد الأدنى من الكفايات المنهجية والأخلاقية التي تؤهله للتعامل مع الظواهر التربوية بطريقة علمية مسؤولة.
إن الدعوة إلى وجود تأهيل أو رخصة أو اعتماد لممارسي البحوث العلمية التربوية لا يقصد منها إقصاء الباحثين أو احتكار المعرفة، ولا تحويل البحث التربوي إلى إجراء معقد، ولا إضافة عوائق جديدة أمام الباحثين، بل الهدف هو حماية قيمة البحث ذاته، وبناء ثقافة بحثية أكثر انضباطًا، فكما تحتاج المهن التعليمية والصحية والهندسية وغيرها إلى معايير تضبط ممارستها وتحمي المستفيدين منها، فإن البحث العلمي كذلك يحتاج إلى معايير واضحة؛ لأنه لا ينتج معرفة فحسب، بل قد تؤثر نتائجه في قرارات تربوية، وبرامج تعليمية، وسياسات مدرسية، وممارسات صفية، وتزداد أهمية هذا التنظيم عندما يتعلق الأمر بالبحوث التي تُطبق في الميدان التعليمي، أو التي تُجمع بياناتها من المعلمين والطلاب وأولياء الأمور، أو التي تُبنى عليها توصيات تطويرية، ففي هذه الحالة لا يكون البحث مجرد نشاط فردي، بل ممارسة ذات أثر مباشر أو غير مباشر في واقع التعليم، ولذلك فإن ضمان كفاءة الباحث في امتلاك الكفايات الأساسية في الممارسة البحثية أمرًا ضروريًا لا يقل أهمية عن موضوع البحث نفسه، كما يمكن أن يتدرج هذا التنظيم في مستويات مختلفة، تبدأ من ممارس بحثي مبتدئ، ثم باحث معتمد، ثم خبير بحثي، بما يتيح التطور المهني دون أن يغلق الباب أمام الراغبين في البحث والتعلم.
وختاماً يمكن القول إن البحث التربوي يمثل ركيزة مهمة من ركائز تطوير التعليم، غير أن أثره الحقيقي يرتبط بجودة ممارسته وموثوقية نتائجه، ولذلك فإن فكرة تنظيم الممارسة البحثية، تسعى للارتقاء بالبحث التربوي، وتحويله إلى ممارسة علمية مسؤولة، تسهم في فهم الواقع التعليمي وتطويره على أسس أكثر دقة ورصانة، فكلما كان البحث أكثر انضباطًا، كانت نتائجه أكثر موثوقية، وكانت قرارات التطوير التربوي أكثر وعيًا وفاعلية.