مهدي العبار العنزي
تتفاوت المعايير التي تُقاس بها قيمة المجتمعات والدول، ولكن يبقى المعيار الأصدق والأعمق هو «الإنسان»؛ ذلك البطل الذي يصنع التاريخ، ويشيد المجد، ويتحول بجهده وإخلاصه إلى لبنة راسخة في جدار الوطن المتين. وإن الحديث عن قيمة الرجال الذين خدموا وطننا الغالي منذ عهد المؤسس الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود -طيَّب الله ثراه- وحتى يومنا هذا، هو حديث عن مسيرة ممتدة من الوفاء والتضحية، وعن قامات لم تطلب وجاهة، بل قدمت عطاءً صاغ ملامح هذه الأرض المباركة.
لقد انطلقت رحلة بناء هذا الوطن من فكرة عظيمة قادها الإمام المؤسس، ولم تكن هذه الفكرة لتتحول إلى واقع سياسي واجتماعي واقتصادي يبهر العالم لولا وجود رجال مخلصين صدقوا ما عاهدوا الله عليه. التفوا حول القيادة بقلوب مؤمنة وسواعد فتية، وخاضوا معارك التوحيد والبناء، واضعين نصب أعينهم أن الوطن ليس مجرد بقعة جغرافية، بل هو العرض والشرف والمستقبل.
إن قيمة أولئك الرجال تتجلَّى في قدرتهم على تحويل التحديات والصعاب في بيئة شحيحة الموارد -آنذاك- إلى قصة نجاح ملهمة. فمن رجال الأمن والجيش الذين سهروا على الثغور وأرسوا قواعد الأمان، إلى رجال الفكر والإعلام والعلم والإدارة الذين أسسوا الأنظمة والتعليم والخدمات، وصولاً إلى رجالات الاقتصاد والزراعة والتنمية؛ كلٌّ في ثغره كان جندياً برتبة «مخلص».
لقد امتازت مسيرة رجالات الوطن بصفات أصيلة صقلتها الهوية السعودية:
• الولاء المطلق والوفاء الممتد: ارتباط وثيق بين القيادة والشعب، تجسد في مواقف تاريخية ثبتت فيها الأقدام في وجه كل الأزمات والتحديات الإقليمية والدولية.
• التضحية بإنكار الذات: تقدم العديد من رجالات الدولة في مناصبهم ومسؤولياتهم بروح التكليف لا التشريف، مستشعرين عظم الأمانة الملقاة على عاتقهم أمام الله ثم ولاة الأمر والتاريخ.
• نقل الأمانة عبر الأجيال: إن المبادئ التي غرسها جيل الرواد والأجداد في عهد المؤسس، تشرّبها الآباء، وسار على نهجها الأبناء اليوم، ليتواصل العطاء في كنف رؤية طموحة وشابة تقود البلاد نحو الصدارة العالمية.
إن تثمين أدوار هؤلاء الرجال والاعتراف بفضلهم ليس مجرد ترف فكري، بل هو واجب وطني وأخلاقي. فالأمم الحيَّة هي التي تُخلِّد ذكرى رجالاتها، وتدرس سيرهم للأجيال الناشئة لتكون منارات يستضاء بها في دروب التضحية والبناء. لقد كان كل مسؤول، وكل قائد عسكري، وكل أديب، ومفكر، ومواطن صالح في موقعه، بمثابة جدار الصد الحقيقي الذي يحمي المكتسبات الوطنية. إنهم الرجال الذين رسموا ملامح هيبتنا الدولية، وصنعوا بجهودهم وعرقهم الاستقرار الذي ننعم به اليوم في ربوع المملكة.
خاتمة
ستبقى صفحات التاريخ السعودي مشرقة بأسماء أولئك الذين تركوا بصمات لا تمحى في سجل المجد. وإن أفضل تكريم ووفاء لهؤلاء الرجال الذين خدموا الوطن منذ عهد المؤسس، هو أن نواصل المسيرة بذات العزيمة والإخلاص، وأن نحمي تلك الأمانة العظيمة التي سلموها لنا، لنظل دائماً -قيادةً وشعباً- صفاً واحداً في بناء الحاضر وصياغة المستقبل المشرق تحت راية التوحيد الخفَّاقة.