عبدالكريم بن دهام الدهام
في كل وطن، هناك استثمارات لا تُقاس بالأرقام، ولا تُحتسب بالعوائد المالية، لأنها ببساطة استثمار في الإنسان. وحين يكون هذا الإنسان طفلاً، فإن العائد يصبح مستقبلاً كاملاً يُبنى أمام أعيننا.
لهذا السبب، لا أرى برنامج «الإعلامي الصغير» مجرد دورة تدريبية، ولا فعالية موسمية تنتهي بانتهاء أيامها، بل أراه مشروعاً وطنياً صغيراً في حجمه، كبيراً في أثره، يزرع الثقة في نفوس الأطفال قبل أن يعلّمهم الوقوف أمام الكاميرا، ويبني الشخصية قبل أن يدرّبهم على الإمساك بالميكروفون.
إن المبادرة التي أطلقتها جمعية إعلاميي الحدود الشمالية تحمل رسالة تتجاوز حدود الإعلام ذاته؛ فهي تسعى إلى اكتشاف مواهب الأطفال والناشئة في سن مبكرة، وصقلها من خلال التدريب والتأهيل على مهارات الإلقاء، والتحكم بالصوت، وفنون الحوار والمقابلات، وصناعة المحتوى الرقمي، وبناء الشخصية، في رحلة تعليمية تمتزج فيها المعرفة بالتجربة، والموهبة بالممارسة.
وأجمل ما في هذه المبادرة أنها لا تكتفي بالتلقين داخل القاعات، بل تنقل الأطفال إلى الواقع الحقيقي، حيث يكسرون حاجز الخوف، ويواجهون رهبة الوقوف أمام الآخرين، ويكتسبون ثقة لا تُمنح بالكلمات، وإنما تُبنى بالتجربة. فمن خلال إشراكهم في تغطية الفعاليات، وتنظيم الزيارات الميدانية إلى الجهات الإعلامية الكبرى، يعيش الطفل تجربة الإعلام بكل تفاصيلها، فيتعلم كيف يسأل، وكيف يستمع، وكيف يعبر، وكيف يمثل نفسه ووطنه بأفضل صورة.
ولعل نجاح المبادرة لم يكن ليحظى بهذا الزخم لولا الدعم الكريم الذي أولاه لها صاحب السمو الملكي الأمير فيصل بن خالد بن سلطان بن عبدالعزيز، أمير منطقة الحدود الشمالية، الذي آمن برسالتها، وحرص على مساندتها وتأييدها، مشيداً بأهمية البرامج التدريبية التي تسهم في اكتشاف المواهب الإعلامية الشابة، ومؤكداً أن الإعلام شريك في بناء الوعي، وترسيخ القيم الوطنية لدى النشء، وداعياً إلى تطوير مثل هذه المبادرات بما يعزز مهارات الأجيال القادمة في مختلف المجالات. وحين يجد العمل الشبابي هذا الاحتضان من القيادة، فإنه يمضي بخطى أكثر ثباتاً نحو النجاح.
وقد سنحت لي الفرصة لمشاهدة أحد اللقاءات التلفزيونية التي جمعت ثلاثة من مخرجات هذه المبادرة؛ الطفلة سارة السويلمي، والطفل يوسف العنزي، والطفلة أروى المطرفي. ولم أكن أشاهد أطفالاً يحفظون نصوصاً أو يرددون عبارات، بل رأيت شخصيات صغيرة تحمل حضوراً كبيراً. رأيت تدفقاً لغوياً مدهشاً، وجرأة في الطرح، وثقة بالنفس، وسلامة في التعبير، وحسناً في اختيار الألفاظ، حتى شعرت أن المستقبل يرسل إلينا رسائل مطمئنة تقول: لا تقلقوا، فالقادم أجمل.
حينها أدركت أن الطفل إذا وجد من يؤمن به، ويمنحه الفرصة، ويحتضن موهبته، فإنه يستطيع أن يدهش الجميع. فالموهبة لا تنبت وحدها، بل تحتاج إلى من يرويها بالصبر، ويصقلها بالتدريب، ويمنحها مساحة لتتحدث.
ومن هنا، فإن كل كلمات الشكر تستحقها جمعية إعلاميي الحدود الشمالية على هذه المبادرة الملهمة، وفي مقدمة ذلك رئيس الجمعية الأستاذ ثامر القمقوم، الذي يقف على قمة هذا العمل النوعي، ومعه جميع منسوبي الجمعية، والإعلاميون المتعاونون، والمعلمون، وأسر الأطفال الذين كانوا شركاء حقيقيين في صناعة هذا النجاح. فكل واحد منهم وضع حجراً في بناء حلم صغير سيكبر يوماً ليصبح إعلامياً مؤثراً أو قائداً أو مفكراً أو صاحب رسالة.
أمنيتي الصادقة ألا تبقى هذه التجربة الجميلة حكراً على منطقة الحدود الشمالية، بل أن تتحول إلى مشروع وطني يُعمّم على جميع مناطق ومحافظات المملكة. فكل مدينة سعودية تضم أطفالاً يحملون مواهب تنتظر من يكتشفها، وأصواتاً تستحق أن تُسمع، وأحلامًا تبحث عن نافذة ترى منها العالم.
فالاستثمار الحقيقي ليس في المباني ولا في الأجهزة، وإنما في الطفل الذي نحسن إعداده اليوم، ليكون الإنسان الذي نفتخر به غداً. وإذا كان الإعلام يصنع الرأي العام، فإن صناعة الإعلامي تبدأ من طفل وجد من يؤمن بحلمه، ويأخذ بيده نحو المستقبل.