زياد الجارد
لا تخلو أي تجربة في هذه الحياة من الإخفاق، سواء كانت شركة، أو جهة حكومية، أو حتى منتخباً وطنياً. لكن القيمة الحقيقية تكمن في قدرتها على تحويل الإخفاق إلى فرصة للتعلم والمراجعة. فالإخفاق بطبيعة الحال مؤلم جداً، لكنه في الوقت ذاته مختبر عملي يكشف العيوب التي يسترها بريق النجاح.
ولهذا يمكن النظر إلى خروج المنتخب من بطولة كأس العالم بوصفه حالة تستحق التأمل من منظور إداري، فالأحداث الكبرى كثيراً ما تقدم دروساً تتجاوز حدود الملعب، وتمتد إلى مفاهيم الإدارة، والتخطيط، وجودة القرار، وبناء المنظومات.
وبعد كل إخفاق، تتجه الأنظار غالباً إلى المدرب والإدارة، أو اللاعبين، أو قرار بعينه. لكن السؤال المهم ليس من أخطأ؟ بل: لماذا تتكرر الأسئلة نفسها بعد كل مشاركة؟ فحين تتكرر المشكلات، يصبح من الضروري الانتقال من مناقشة النتيجة إلى مراجعة المنظومة التي أنتجتها.
فالبناء المؤسسي لا يقوم على ردود الأفعال، وإنما برؤية واضحة تمتد لسنوات، وتتسم بالاستمرارية والتطوير. أما التركيز على تحقيق نتائج سريعة، فقد ينجح في تجاوز تحدٍ مرحلي، لكنه لا يبني مشروعاً قادراً على الاستمرار.
ولعل هذه البطولة قدمت نماذج عديدة لمنتخبات حققت نتائج لافتة رغم محدودية إمكاناتها مقارنة بغيرها. وليس المقصود أن ننسخ تجربة معينة، فلكل مشروع ظروفه وبيئته، وإنما أن نتأمل المبادئ التي قامت عليها تلك التجارب، وكيف بُنيت منظوماتها وصححت مساراتها، وما الذي يمكن أن نستخلصه منها لبناء مشروع يناسب واقعنا ويحقق النجاح بصورة مستدامة.
كما أن المؤسسات الناجحة لا تتميز بأنها لا تخطئ، بل بقدرتها على التعلم من أخطائها. فالقرارات تُقاس بجودتها لا بسرعتها، لذلك فإن الخطأ ليس نقيض النجاح، بل جزء طبيعي من رحلة البناء والتطوير، ما دام يقود إلى مراجعة أفضل وقرار أجود.
وفي نهاية المطاف، يبقى المنتخب هو المخرج النهائي لمنظومة رياضية متكاملة، تبدأ من المدارس، والأحياء، والأندية، والأكاديميات، والفئات السنية، وتأهيل المدربين، واكتشاف المواهب، وصولاً إلى هوية فنية واضحة للمنتخب الأول. فكلما كانت المنظومة أكثر تكاملاً، ارتفعت جودة قراراتها، وأصبحت نتائجها أكثر استدامة.
قد تختلف الآراء حول الأسباب الفنية لأي إخفاق، لكن الإدارة تُعلمنا أن النتائج ليست سوى انعكاس للمنظومة التي أنتجتها. ولذلك، فإن أفضل استجابة لأي إخفاق ليست البحث عن مبررات أو حلول مؤقتة، بل امتلاك الشجاعة للمراجعة، والتعلم، واستمرار تطوير المشروع.
إن استضافة كأس العالم 2034 لا تجعل النجاح أمراً مضموناً، لكنها تمنحنا فرصة لبناء منظومة تستحق أن تنافس، وإذا أحسنا قراءة هذا الإخفاق، فقد يكون نقطة التحول الأهم التي تقودنا إلى نجاح أكبر. أما إذا اكتفينا بالبحث عن شماعة، فسنعود بعد سنوات لنطرح الأسئلة نفسها مرة أخرى.