أحمد الأسمري
في اللحظات التي تضيق فيها المسافة بين الأمل واليأس، حضر ياسين بونو. حارس منتخب المغرب ونادي الهلال فعل ما اعتاد فعله في المواعيد الكبيرة. تحدثت تصدياته وعبّر ثباته حين منح أسود الأطلس عبوراً جديداً في كأس العالم. بالنسبة للمغاربة، كان المشهد قريباً من الذاكرة. وبالنسبة للهلاليين، لم يكن غريباً أن يروا حارسهم هادئاً في وقت مضطرب.
لا يقدم بونو نفسه كحارس استعراضي، لكنه يملك تلك الميزة النادرة: أن يجعل الدقائق الصعبة أقل قلقاً على فريقه، وأكثر ثقلاً على خصمه.
بلغ المغرب ثمن النهائي على حساب هولندا، وفتح هذا المشهد باب المقارنة مع مونديال قطر 2022، يوم وقف الحارس نفسه في وجه إسبانيا، وأسهم في وصول بلاده إلى مكان لم يسبقه إليه منتخب عربي أو أفريقي.
في 2022 وصل نجوم المغرب إلى نصف النهائي بأداء شديد الصلابة. كان منتخبهم بالغ الذكاء والانضباط، ويعرف كيف يغلق المساحات، وكيف يرهق الخصم، وكيف يجعل المباراة تسير في الاتجاه الذي يناسبه.
ولم يكن ذلك عيباً، بل مثالاً على الواقعية الكروية؛ فمن يريد أن يذهب بعيداً في كأس العالم لا يلعب دائماً كما يحب، بل كما يجب.
غير أن نسخة 2026 كشفت وجهاً آخر للمغرب، أكثر جرأة، وأكثر رغبة في اللعب، وأقل اكتفاءً بفكرة الصمود. المغرب في هذه البطولة لا يظهر كمنتخب ينجو من المباريات، بل كمنتخب يدخلها وهو يملك شيئاً يقوله. يبادر، يضغط، يهاجم، ويحافظ في الوقت نفسه على شخصيته التي كسبت تقدير العالم قبل أربع سنوات.وهنا تكمن قيمة التجربة المغربية. إنجاز قطر لم يكن ضربة حظ، ولا ومضة عاطفية صنعتها الأرض العربية والمدرجات المتعاطفة، إنما كان نتيجة مشروع طويل، بدأ من الإيمان بأن كرة القدم لا تحيا بالموهبة وحدها، بل بالمؤسسات، والأكاديميات، والفئات السنية، وحسن قراءة اللاعب المغربي في الداخل والمهجر.
في عهد الملك محمد السادس، أخذت كرة القدم المغربية مساراً بعيد المدى، من خلال الاستثمار في تكوين المواهب عبر أكاديمية محمد السادس، وتوفير بيئة إعداد حديثة للمنتخبات داخل مركب محمد السادس لكرة القدم، إلى جانب عمل أوسع على الفئات السنية واستقطاب أبناء الجاليات المغربية في أوروبا. ولهذا يبدو المغرب اليوم مختلفاً. ليس لأنه يملك لاعبين جيدين فقط، بل لأنه يملك فكرة.
هناك منتخبات تملك نجوماً بلا روح، وأخرى تملك روحاً بلا عناصر، أما المغرب فقد نجح في جمع ثلاثية الموهبة والطموح والعمل الصامت في نفوس أبطاله. ولعل بونو هو أحد أجمل اختصارات هذه الشخصية.
حارس لا يعرف الصخب، لكنه يحضر حين تتعطل كل الكلمات. في المرمى يبدو هادئاً كأنه خارج الضجيج، لكنه في الحقيقة أكثر الناس اقتراباً من الخطر، مانحاً زملاءه ثقة جماعية تدفعهم قُدماً.
والآن، يطل الطريق المغربي على اختبار جديد. كندا أولاً، ثم قد تكون فرنسا في ربع نهائي صاخب إذا مضى كل شيء دون مفاجأة.
وحين يرد اسم فرنسا، تعود ذاكرة 2022 سريعاً؛ نصف النهائي الذي أنهى الرحلة المغربية، لكنه لم ينه الحكاية. يومها خسر المغرب المباراة، وكسب أن يكون المنتخب العربي والأفريقي الذي غيّر حدود الممكن في كأس العالم.
هل يكرر المغرب إنجاز 2022؟ وهل يذهب إلى أبعد منه؟.
لا أحد يستطيع أن يجزم في كأس العالم. البطولة لا تعترف بالتوقعات دائماً، وقد تهدم لعبة واحدة عملاً طويلاً. لكن الثابت أن المغرب لم يعد منتخباً ينتظر أن يندهش العالم به، وصار جزءاً من الحسابات الصعبة.
وربما يكون الموعد الأكبر مؤجلاً إلى 2030 حين يشارك المغرب في استضافة كأس العالم، لا بصفته بلداً يحب كرة القدم فقط، بل بصفته بلداً بنى لها طريقاً متقناً، ويريد أن يصل به إلى أبعد نقطة ممكنة.