أحمد بن محمد الغامدي
شكَّل خروج المنتخب السعودي المبكر من كأس العالم 2026 صدمة كبيرة للجماهير الرياضية السعودية، التي كانت تتطلع إلى مشاركة أكثر حضورًا وتأثيرًا، خصوصًا في ظل ما حظيت به الرياضة السعودية خلال السنوات الأخيرة من دعم غير محدود ورعاية استثنائية من القيادة الرشيدة، وما شهدته كرة القدم السعودية من تطورات نوعية جعلت الدوري السعودي محط أنظار العالم ومقصدًا للنجوم والمدربين والخبراء من مختلف الدول.
دخل الأخضر المونديال وسط آمال عريضة وتوقعات متفائلة بتحقيق نتائج تليق بحجم التطور الذي تشهده المنظومة الرياضية السعودية، إلا أن الواقع جاء مختلفًا، فالتعادل أمام أوروجواي والرأس الأخضر، والخسارة الثقيلة أمام إسبانيا بأربعة أهداف، أدت إلى مغادرة البطولة مبكرًا، لتتحول مشاعر التفاؤل إلى حالة من الإحباط والاستياء في الشارع الكروي.
لا يمكن إنكار حجم الغضب الذي تعيشه الجماهير اليوم، فالتوقعات كانت مرتفعة للغاية، خاصة بعد النجاحات التنظيمية والاستثمارية التي حققتها المملكة في المجال الرياضي، وبعد الطفرة الكبيرة التي شهدها الدوري السعودي من حيث الحضور الفني والإعلامي والتسويقي، وقد اعتقد الكثيرون أن هذه النهضة ستنعكس بصورة مباشرة على أداء المنتخب ونتائجه، لكن ما حدث أكد أن تطوير المسابقات المحلية -رغم أهميته- لا يكفي وحده لبناء منتخب قادر على المنافسة العالمية.
ومن المهم في هذه المرحلة أن تكون ردود الفعل عقلانية وواقعية، بعيدًا عن الحلول السريعة التي اعتادت بعض الجماهير المطالبة بها عقب كل إخفاق، فالمشكلة لا يمكن اختزالها في تغيير مدرب أو استبعاد مجموعة من اللاعبين وتحميلهم كامل المسؤولية، هذه المعالجات المؤقتة قد تمنح شعورًا زائفًا بالتحرك، لكنها لا تعالج جذور المشكلة ولا تضمن عدم تكرارها مستقبلًا.
الحل الحقيقي يكمن في بناء قاعدة كروية قوية ومتينة تبدأ من المراحل السنية المبكرة، فالدول التي تحقق نجاحات مستمرة على الساحة العالمية لم تصل إلى ذلك عبر القرارات الارتجالية، بل من خلال الاستثمار طويل الأمد في الأكاديميات الرياضية، وبرامج اكتشاف المواهب، والعمل المنظم داخل المدارس والأندية، ومن هنا تبرز الحاجة إلى توسيع نطاق اكتشاف المواهب في مختلف مناطق المملكة، وتوفير البيئة المناسبة لصقل قدرات اللاعبين منذ الصغر، وفق أحدث المناهج الفنية والعلمية.
رغم مرارة الخروج المبكر، فإن الصورة ليست قاتمة كما يعتقد البعض، فالمملكة تقف اليوم أمام فرصة تاريخية لا تتكرر كثيرًا، تتمثل في الاستعداد لاستضافة كأس العالم 2034، ثماني سنوات تفصلنا عن هذا الحدث العالمي الكبير، وهي مدة كافية لبناء مشروع كروي متكامل إذا أحسنّا استثمارها بالشكل الصحيح.
لقد دقت نتائج الأخضر في مونديال 2026 جرس الإنذار، لكنها في الوقت ذاته منحننا فرصة للمراجعة والتصحيح، وإذا كانت النتائج الحالية قد خيبت الآمال، فإن المستقبل لا يزال يحمل الكثير من الفرص.