د. سطام بن عبدالله آل سعد
في علم إدارة المشاريع، توجد منهجية معروفة باسم (الدروس المستفادة)، وتُعد من أهم الممارسات المؤسسية الحديثة. وتقوم هذه المنهجية على توثيق ما وقع من إخفاقات، وما تحقق من نجاحات، ثم تحليل أسبابها واستخلاص المعرفة منها قبل إطلاق أي مشروع جديد. فالمنظمات الناجحة لا تبدأ من الصفر، بل تنطلق من خبراتها المتراكمة؛ فتحوّل الخطأ إلى درس، والدرس إلى قرار أفضل.
تمثل هذه المنهجية مدخلًا مهمًا أمام الاتحاد السعودي لكرة القدم مع اقتراب انتخاب مجلس إدارة جديد. فالمرحلة المقبلة لا تحتاج إلى وعود جديدة بقدر ما تحتاج إلى مراجعة مؤسسية شاملة لكل ما مرت به الكرة السعودية خلال السنوات الماضية، بعيدًا عن المجاملة والبحث عن أسماء تُحمّل وحدها مسؤولية الخلل.
من المهم أيضًا فتح ملف الاستراتيجيات السابقة التي لم تحقق أهدافها، ودراسة أسباب تعثرها بموضوعية كاملة. فقد يكون الخلل في الرؤية والتخطيط، أو في التنفيذ وضعف قياس الأداء القائم على النتائج لا على الإجراءات. وفهم هذه الأسباب هو الأساس الذي تُبنى عليه أي استراتيجية جديدة.
وكما يحدث في مثل هذه المراحل، سيواجه مجلس الإدارة الجديد تحديًا حقيقيًا في تشخيص مكامن الخلل؛ بسبب الإرث السابق، وما يحمله من خطط وبرامج بدت صحيحة على الورق، لكنها تعثرت عند التطبيق. غير أن الوصول إلى الأسباب الفعلية، بعيدًا عن الانطباعات وردود الفعل، يمثل أول خطوة على طريق النجاح.
لا يمكن لأي استراتيجية كروية أن تنجح بمعزل عن البيئة الإعلامية المحيطة بها. فالإعلام الرياضي المحترف رفيق كل مشروع ناجح، ومرآة تعكس تساؤلات الجماهير وهمومها، ويساعد على رفع جودة النقاش العام حول المنتخب والاتحاد والبرامج الفنية.
غير أن ما حدث من بعض الجهات الإعلامية وبعض الإعلاميين يجب ألا يمر من دون مراجعة؛ فإقحام الخلافات الإعلامية والتعصبات للأندية في ملف المنتخب أضر بالنقاش العام، وحوّل القضية من مشروع وطني يحتاج إلى دعم وتصحيح ومساءلة، إلى سجالات ضيقة لا تخدم كرة القدم السعودية.
الدرس الأهم من كل ما سبق هو عدم استعجال النجاح على حساب جودة المنظومة واستدامة المشروعات الرياضية. فالاتحادات التي حققت نجاحات كروية لم تصل إليها بالقفز فوق المراحل، بل بالنَّفَس الطويل، والمتابعة المستمرة، ومراجعة الأخطاء في وقتها، وتصحيحها باحترافية قبل أن تتحول إلى أزمة أكبر.
أخيراً، لا بد أن نعترف بأن بناء منظومة كروية قوية هو مشروع طويل ومليء بالتحديات، لكنه ليس مستحيلًا إذا امتلكنا الشجاعة لتحليل الفشل قبل كتابة الاستراتيجية، وفهمنا تجارب المنتخبات الناجحة، واستفدنا من أخطائنا السابقة. فالاستراتيجية التي لا تبدأ من تشخيص صادق، قد تتحول إلى وثيقة جميلة، لكنها عاجزة عن صناعة التغيير.