د.صالح بن عبدالله بن حميد
الحمد لله الذي جعل لكل أجل كتابا، ولكل حيٍّ ميقاتا، علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جعل الدنيا دار ممر، والآخرة دار مقر، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله بعثه الله هاديا، ومبشرا، ونذيرا، وهو القائل: «من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهَّل الله له به طريقاً إلى الجنة»، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله الأبرار، وصحبه الأخيار، ومن سار على نهجهم وتبعهم بإحسان ما تعاقب الليل والنهار.
أما بعد:
فإن للموت رهبةً لا يُذْهبها طول العهد، ولا يخفف من وقعها تَكرارُ المشهد، الموت حقيقة تطرق الأبواب لا تفرق بين شيخ وشاب، ولا بين عالم ومتعلم، ولا بين غني وفقير، ولا صحيح وسقيم، ولا ذكر وأنثى، وهو وعد صادق، وموعود جامع، والآخر فيه للأول تابع، وفي التنزيل العزيز: كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ (العنكبوت 57)، وقال جل جلاله: {كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ} (الرحمن 26-27).
إذا المنايا أخطأتك وصادفت
صَديقَك فاعلم أنها ستعود
الموت واعظٌ ولو لم ينطق، وخطيبٌ بليغ ولو لم يتكلم، ولكن القلوب تغفل، والنفوس تنشغل، حتى إذا جاء اليقين، انكشفت حقائق الدنيا، وعلم المرء أن ما كان يظنه ثابتاً لم يكن إلا عبوراً سريعاً إلى الآخرة.
والمنية إذا حلت، لا تستأذن أحداً، ولا تمهل قاصداً؛ فالأعمار بيد الله، والآجال مضروبة، وموت طالب العلم أشد على النفوس وقعاً، وأعظم لوعة، بيد أن الإيمان بالقضاء والقدر هو الرداء الذي يتدثر به المؤمن عند شدائد المصائب. وقد جاء في الأثر عن بعض السلف: «إذا أصابتك مصيبة فاذكر مصابك بالنبي صلى الله عليه وسلم، فإنها تهون»، ويقول الحكماء: «إن للموت سكرة، وللفراق حسرة، وإنما الصبر عند الصدمة الأولى».
والرزية بفقد الأحبة تورث في النفوس كَلَماً، وفي المآقي دمعاً، ولا عاصم من أمر الله إلا الرضا بقدره، والاستسلام لمشيئته؛ فالخلق خلقه، والأمر أمره، والعبيد عبيده، والكل إليه راجعون، وهو القائل سبحانه وبحمده في محكم التنزيل: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ} (البقرة: 155-157).
غير أن المصائب تتفاوت كما أن منازل الناس تتفاوت، فمن الفقد ما يمر على النفس سريعاً، ومنه ما يترك أثراً بليغاً، ولعل من أشد ما يبتلى به المعلم أن يقف مودعاً واحداً من طلابه، ممن صحبهم في مجالس العلم، وعرفهم بالجد والاجتهاد، ورأى فيهم أمارات الخير، وعلائم النجابة، واستبشر بما أودعه الله فيهم من محبة المعرفة، وحسن الأدب، وجد الطلب.
رأيت أخا الدنيا وإن بات آمنا
على سفر يُسرى به وهو لا يدري
ومن أشد ما يمر بالمرء أن يرى واحدا ممن صحبه في العلم قد سبق إلى ربه، لا سيما إذا كانت الصحبة صحبة كتاب الله، ومجالس العلم، وطول الملازمة، مع مودة قامت على الإيمان، ومحبة العلم وطلبه، وطلبته، لا على مصالح الدنيا.
ولست أكتب لأرثي طالبا هو كالزميل جمعتني به صلة عابرة، ولا هي كتابة تمليها المناسبة؛ بل أكتب عن أخ كريم عرفته في مجالس العلم فرأيت فيه من كريم الخلال ما يجعل ذكره باقياً بعد رحيله، وأثره ممتداً بعد غيابه.
لقد آلم النفس نبأ وفاة الأخ الكريم، والشيخ الفاضل، أبي عمر زكريا عمر توري، القادم من أرض مالي الطيبة، تلك البلاد التي عُرِفتْ بالإسلام، وحفظ القرآن الكريم، وتعظيم العلم، وإنجاب العلماء والقراء جيلاً بعد جيل، فقد توفي رحمه الله يوم السبت الخامس من شهر الله المحرم من هذا العام 1448هـ، بعد أن كان معنا في حلقة الدرس في المسجد الحرام قبل موسم الحج الماضي.
ولقد كان أهل أفريقيا عامة، وأهل مالي خاصة، مثالاً في الحرص على العلم الشرعي، وشدة التعلق بالحرمين الشريفين، يقطعون الفيافي والقفار، ويتحملون الغربة، رجاء أن يجلسوا في مجلس علم، أو يسمعوا حديثاً، أو يزدادوا فقهاً في دين الله، وذلك ميراث كريم توارثته تلك البلاد منذ قرون، فكان من ثمراته أمثالُ هذا الرجل المبارك، وقد عرفنا منهم جملة من أهل العلم، والفضل والصلاح، والعبادة من مجاوري هذين المسجدين الشريفين.
أظلمتْ بعده الديارُ وقد كا
ن سراجاً بها وبدرًا منيرا
وهذه نبذة مختصرة عن سيرته ومسيرته رحمه الله:
ولد عام 1964م في مدينة غاو في شمال مالي.
بداية طلبه العلم كانت في غاو في المدارس الفرنسية درس إلى الصف الرابع الابتدائي، ثم توقف بعد أن جاءته فتوى بعدم جواز دراسة لغة الكفار، فانتقل إلى قرية (كاجي الملقبة بدار السلام)، فالتحق بالكُتَّاب لحفظ القرآن في البداية على يد الشيخ: عبد الرزاق كاني، ثم تابع بعد الختم مع الشيخ: الطاهر منير، وهو من كبار العلماء في زمنه، وكان يجهز زكريا وزملاءه ليصلوا بالناس في التراويح، والتهجد، وكان بمثابة الأب لهم يشفق عليهم، وينصحهم، ويرشدهم.
أما القراءة والكتابة ودراسة الكتب في اللغة العربية، والتفسير فعلى يدى الشيخ: سعيد إدريس، وكذلك الشيخ: الطاهر منير.
شهاداته: يحمل الشيخ زكريا شهادتي بكالوريوس من المعهد العالي في المسجد الحرام، وكذلك دار الحديث في مكة المكرمة، كما كان يتنقل بين حلقات العلماء في المسجد الحرام.
أما أعماله: فأهمها والتي أفنى حياته فيها فهو تدريس القرآن الكريم في حلقات المساجد في مكة المكرمة، بعد أن تم تعيينه بشكل رسمي من قبل الجمعية الخيرية لتحفيظ القرآن الكريم في مكة المكرمة، وقد حفظ على يده قرابة ألف طالب، فقد قضى قرابة أربعين سنة في هذا العمل الشريف، وبعض طلابه الآن هم من حملة الدكتوراه في جامعات مالي، وآخرون أئمة في المساجد، ومنهم من يعملون في وظائف حكومية مثل السفارات وغيرها .
كما عمل مترجماً للغات الأجنبية في المسجد الحرام مع عمله موجها ومشرفاً داخل المسجد الحرام.
إضافة إلى أعمال جانبية كان يتولاها مثل: العمل وسيطًا بين المنظمات وأهل الخير والمحتاجين من المسلمين، فقد أشرف على بناء عشرات المساجد، وحفر الآبار في المناطق النائية في مختلف أنحاء مالي حتى في أسبوع مرضه ووفاته رحمه الله، كان يشرف على مسجد يبنى في قرية كوكوروم. كما كان يشرف على توزيع الأضاحي على المحتاجين في كل سنة.
تَبْلى الحناجرُ تحت الأرض في جَدَثٍ
وصوتها يَتْلوَ الآياتِ والسورا
لقد كانت الصلة به رحمه الله صلةَ علم، وأشرف الصِّلاتِ ما انعقد على طلب العلم، فالعلم ميراث الأنبياء، وطريقُ الهدى، ونورُ البصائر، وبخاصة إذا استحضر طالب العلم قوله سبحانه: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء} (فاطر: 28)، فالعلم ليس بكثرة الرواية، ولا بسعة الاطلاع، وإنما بما يورثه في القلب من خشية، وفي السلوك من استقامة، وفي اللسان من صدق.
إلى الله أشكو لا إلى الناس فقده
ولوعةَ حزنٍ أوجع القلبَ داخلُه
عرفته طالباً للعلم ملازماً له، مثابراً على تحصيله، فما كانت علاقته بمجالس المسجد الحرام علاقة عابرة، ولا حضور مواسم، وإنما كانت صحبةً امتدت ما يقرب من ثلاثين عاماً، يتردد فيها على حِلَق العلم، ملازماً، مستفيداً، صابراً على طول الطريق، محتسباً ما يبذله في سبيل تحصيل العلم .
وأحسب أن الفقيد -رحمه الله- ممن أدرك هذه الحقيقة فلم يكن يطلب العلم ليبتغي به منزلة، أو ليحصل به دنيا، بل يستشعر أنه عبادة يتقرب بها إلى الله، وأنه مسؤول عما يعلم كما هو مسؤول عما يعمل، لذلك فقد كان متواضعاً في مجلسه، وقوراً في منطقه، حسنَ الإصغاء، بعيداً عن اللغو والمراء، إذا سال أحسن السؤال، وإذا حاور تحرى الإنصاف، وإذا ظهر له وجه الصواب قبله، لا يمنعه من ذلك اعتدادٌ بالرأي، ولا حرصٌ على الغلبة.
وقد قال بعض السلف: «كنا نتعلم الأدب كما نتعلم العلم»، ولقد كان الأدب في الفقيد سابقاً إلى العلم، يكسوه وقاراً، ويمنحه جمالاً حتى كان حضوره في المجلس باعثاً على السكينة، وكان صمته أبلغ من كلامه .
وهو بحضوره لا يَلْفِتُ الأنظار بحديث طويل، ولا بسؤال متكلف، وإنما يَلْفِتها بحسن الإنصات، وهيبة الوقار، واحترام المجلس، وطالب العلم يُعرف قبل أن يتكلم، كما تُعرف الشجرة من ثمرها، وكما يُعرف الغيث من أثره .
وطالب العلم كذلك لا يطلب الذكر لنفسه، بل ينبغي أن يفر من الشهرة فرار الزاهد، ويؤثر الخمول مع الإخلاص على الظهور مع حظ النفس يستحضر قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم».
وهذه المدة الطويلة من الصحبة ليست رقماً في كراس الأيام، وإنما هي عمر من المجاهدة، وسنواتٌ من الثبات، وأزمان تعاقبت فيها الأحوال، وتبدلت الوجوه، وبقي هو على عهده مع حلق العلم، يختلف إليها كما يختلف الظمآن إلى الماء، لا يمنعه بعد المسافة، ولا اختلاف الأوطان، ولا مشقة الأسفار.
وما أعظمها من نعمة أن يلقى العبد ربه، وقد أفنى شطراً كبيراً من حياته في رحاب بيت الله الحرام، بين درس، وتلاوة، وبين علم، وعبادة، وبين سماع، ومذاكرة، يطلب ميراث النبوة، ويقتبس من نور الوحي.
فَعَلِّم ما استطعت لعل جيلاً
سيأتي يُحْدِثُ العجبَ العجابا
وإن من جميل ما يورثه العلم أن يجعل بين الشيخ وطلابه رابطة لا تنقطع بانقطاع المجلس، ولا تزول بتباعد الديار؛ فهي رابطة تقوم على الإيمان، وتغذيها المحبة في الله، وتثبتها الأيام.
ورب تلميذ غاب عن العين، ولكنه لم يغب عن الدعاء، ورب مجلس مضى منذ سنين، وما تزال ذكراه حاضرة في القلب.
وفي العادة فإن الشيخ حين ينقضي المجلس يتأمل أولئك الذين يجلسون بين يدي العلم فيرتفع عنده الأمل فيقول: إن الأمة لا تزال بخير ما دام فيها رجال يحملون همَّ التعلم، ويوقرون العلماء، ويعرفون أن الطريق إلى الله بخطوة صادقة، وأن العمر –مهما طال– قصير، وأن خير ما يلقى به العبد ربه قلبٌ سليم، وعمل صالح، وعلم نافع.
وليس أكثر ما يبهج الشيخ ما يراه في طلابه من تحصيل مسائل العلم على جلالة ذلك وأهميته، وإنما ما يظهر فيهم من أثر العلم في أنفسهم، فإن العلم إذا لم يُهذِّب الأخلاق، ولم يورث صاحبه تواضعاً وخشية كان وبالاً على صاحبه، وقد قال الإمام عبد الله بن المبارك رحمه الله: «نحن إلى قليلٍ من الأدب أحوجُ منا إلى كثير من العلم «، فطالب العلم يتأدب قبل أن يتصدر، ويصغي قبل أن يتكلم، ويُحسن الظن بإخوانه، ويلزم الوقار في نفسه.
من النجابة في طالب العلم أن يترك الجدل وهو قادر عليه، ويؤثر الإنصاف على الانتصار، ويقدِّم الدليلَ على الهوى، فيتجلى في سلوكه معنى قول الله تعالى: وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا (طه: 114)، فطالب العلم يعلم أن الزيادة في العلم لا تكون إلا بزيادة التواضع، وأن القلب إذا امتلأ إعجاباً بنفسه ضاقت عليه مسالك الهداية.
وإن المتأمل في سير الصالحين يجد أن أعمارهم لا تقاس بعدد السنين، وإنما بما ملؤوها به من خير، فقد يعيش الإنسان طويلاً ولا يترك أثراً، وقد يبارك الله في عمره، فيكون موته حياةً لذكره، وبقاءً لأثره، واستمراراً في الدعاء له.
ولعل أعظم ما يُرجى لمن لازم بيوت الله، وأحب العلم وأهله، أن يكون ممن قال الله فيهم: إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللّهِ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ (التوبة: 18)، وأن يكون مما يبقى له بعد رحيله ما نشره من علم، أو علمه من قرآن، أو دل عليه من خير، أو غرسه في نفوس الناس من محبة الدين وأهل الصلاح.
وفضيلة طلب العلم الشرعي لا تنقطع بالموت إذا ورِّث المرء وراءه أثراً، وصاحبنا نحسب أنه -بإذن الله- قد ترك في قلوب زملائه وإخوانه من طلاب العلم سيرةً عطرة، وهدياً صالحاً، ونيةً نحسبها صادقة.
طالب العلم حين يجفّ حبر قلمه، تبقى دفاتر عهده شاهدةً على صدق طلبه ؛ يعزّ على أهل العلم أن يخلو مقعده عن مجلس الدرس، لكن لا نقول إلا ما يُرضي ربنا الكريم، ولا نملك إلا الدعاء للرحمن الرحيم، وكما قال حكيم:
فلا تجزعنْ إن فرق الدهر بيننا
فكل امرئٍ يوماً به الدهرُ فاجعُ
وأحسب أن الشيخ أبا عمر ممن يوقر العلماء، ويعرف لهم قدرهم، ويذكرهم بالجميل، ولم أسمعه يوماً يخوض في أعراضهم، أو يتعالى عليهم بعلم أو فهم، ومن عرف للناس أقدراهم عرف الله له قدره.
إن ساحات العلم رِيَاضٌ مُزهِرة، ورحيل روادها غُصّة في الحلق، وثلمة في الحلقة، لا يبرؤها إلا بردُ اليقين. وأبو عمر ليس طالباً مر في دروب الطلب مرورا عابرا، بل هو طالب بار، وصاحبٌ وَفِيِّ، قضى من عمره سنواتٍ طوالاً، وأعواماً مداداً، يتنقل بين مجالس العلم، يثني ركبتيه في محاريب العلم، ويسهر ليله في قيد الشوارد، وتقليب دفاتر العلم، ويتلو كتاب الله يقرأه ويُقرؤه، وينشئ عليه ناشئة المسلمين. لقد عشت معه -طيّب الله ثراه- دهراً، فرأيت فيه هِمّة عالية، وأدباً جماً، يبكر إلى مجالس الحديث، ويستمع إلى فنون العلوم.
والشيخ إذا فقد طالباً لازمه لسنوات، فكأنه هُدم من بنيانه ركن، أو انكسر من محبرته قلم؛ فرابطة العلم بين الشيخ وطلابه لُحْمَة كَلُحْمَةِ النَّسَبِ، بل هي أرفع وأسمى، لأنها رابطة الأرواح في رياض الوحيين. وما أصدق ما قال الشاعر:
لَعَمْرُكَ مَا الرَّزِيَّةُ فَقْدُ مَالٍ
وَلا شَاةٌ تَمُوتُ وَلا بَعِيرُ
وَلَكِنَّ الرَّزِيَّةَ فَقْدُ شَخْصٍ
يَمُوتُ بِمَوْتِهِ خَلْقٌ كَثِيرُ
إن سنوات الطلب الطويلة التي قضاها أبو عمر لم تكن مجرد أرقام تُحصى، بل كانت صفحاتٍ سُطّرت بمداد السهر، ومزجت بالصبر والمصابرة. طالب العلم الجاد تراه يتعنّى للمسألة، ويناقش في الدليل بوقار العلماء، ويتلقى التصويب بإنصاف الأتقياء. وفي مأثور الحكم: «من صبر على ذُلّ التعلم يوماً، قعد في عِزّ التمكين دهراً»، وأحسب أن الشيخ زكريا قد عاش صابراً محتسباً، يبتغي رفعة الدين ونفع المسلمين.
بلى إن هذا الدهر فرق بيننا
وأي جَمِيعٍ لا يفرِّقه الدهرُ
لقد شاء الله أن يسبق أبا عمر أَجُلُه، وأن تطوى صحيفته قبل أن يبلغ من العلم ما يبلغه كثير من الناس، ولكن الأعمار لا تقاس بطول السنين، وإنما بما يودعه الله فيها من بركة، وما يخلَّفه المرء بعدها من أثر، وكم من إنسان عاش طويلاً ولم يترك وراءه إلا ذكراً خامداً، وكم من رجل قصرت أيامه، فطال في الناس لهم دعاؤه، وحسن ثنائهم عليه.
وقد قال نبينا صلى الله عليه وسلم: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم يُنتفع به، أو ولد صالح يدعو له»، وإننا لنزجو أن يكون ما تعلمه وما نشرهه من خير، وما أقرأه من كتاب الله، وما غرسه من خلق كريم فيمن عرفه من جملة ما يبقى له عند الله يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
فالدنيا لا تثبت على حال، وشأنها الزوال، وإنما هي منازل يقطعها المسافر حتى يبلغ مستقره، ومن وفقه الله لأن يختم حياته وهو متعلق بالعلم، محب لمجالسه، معظم لشعائره، فقد نال خيراً كثيرًا نسأل الله أن يجعله من أهله.
وإذا كان الرثاء وفاءً للماضي فإنه في الوقت نفسه عهدٌ للمستقبل؛ عهدٌ أن تبقى سير الصالحين حيةً في النفوس، وأن نبقى أوفياء لما تعلموه، وخير ما يهدى للأموات كثرة الدعاء لهم، والعمل الصالح الذي يذكرنا بهم.
لقد رحل الشيخ زكريا، وانقطع عمله إلا مما أبقاه الله له من آثار الخير، أما المجالس التي كان يحضرها، والمقاعد التي كان يعرفها، والوجوه التي كانت تلقاه، فإنها اليوم تشهد على غياب رجل كان عنوانه الملازمة، وشعاره الصبر، ودأبه طلب العلم.
وإن مما يخفف لوعة الفقد أن المؤمن يعلم أن الفراق في الدنيا ليس نهاية المطاف، وإنما هو موعد مؤجل إلى أن يجمع الله عباده في دار كرامته بمنه وكرمه، حيث لا موت بعده، ولا فراق، ولا حُزنَ، ولا نَصَب.وإننا إذ نواريه التراب، ونوسده الثرى، لنسأل الله تبارك وتعالى أن يتقبل منه الخطوات التي مشاها في طلب العلم، والساعات التي قضاها بين الحفظ والمذاكرة؛ فقد ثبت في الصحيح من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «وَإِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ، وَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا، وَإِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ» (رواه أبو داود والترمذي).
فهُنَّ المنايا أيَّ واد سلكتُهُ
عليها طريقي أو عليَّ طريقها
نعزي أنفسنا، ونعزي أهل فقيدنا وإخوانه، ونسأل الله أن يربط على قلوبهم برباط الطمأنينة والسكينة، وأن يعوضهم في مصيبتهم خيراً، فإن عِظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قوماً ابتلاهم.
اللهم يا حي يا قيوم، يا واسع المغفرة والرحمة، اغفر لعبدك زكريا، وعوضه الجنة، واجعل سنوات طلبه للعلم الشرعي رفعةً في درجاته، ونوراً يضيء به قبره. اللهم أكرم نزله، ووسع مدخله، واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقه من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس. اللهم اجعل القران العظيم أنيساً له في وحشته، وشفيعاً له في ظُلْمته. اللهم ارزق أهله ومحبيه الصبر والسلوان، واجمعنا به في الفردوس الأعلى من الجنة مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً.
رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ ( الحشر: 10).
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
** **
إمام المسجد الحرام وخطيبه - مكة المكرمة