أمل حمدان الشريف
ليس من الصعب أن تُشيَّد المدن، لكن الصعوبة الحقيقية أن تُبنى مدنٌ يشعر الإنسان فيها بأنه الغاية قبل أن يكون المستفيد، فالعمران، مهما بلغت كلفته، يبقى مجرد هياكل صامتة ما لم يتحول إلى قيمةٍ إنسانية تُلامس حياة الناس، وتُحسن تفاصيل يومهم، وتمنحهم شعورًا بأن التنمية خُلقت من أجلهم. هذا هو المعنى العميق لأنسنة المدن، وهو المعنى الذي تتجسد ملامحه اليوم في المدينة المنورة؛ المدينة التي لم تكن عظيمة بعمرانها وحده، بل برسالتها، ولا بتاريخها فحسب، بل بما تمثله في وجدان المسلمين، لذلك، فإن أي مشروع تنموي فيها لا يُقاس بما يضيفه إلى المشهد الحضري فقط، وإنما بما يضيفه إلى تجربة الإنسان، المقيم والزائر على حد سواء.
المدينة المنورة تعيش اليوم مرحلةً تنموية تستحق الوقوف عندها، فالمشروعات التي تتوالى ليست أعمالًا متفرقة، وإنما أجزاء من رؤية متكاملة تجعل جودة الحياة هدفًا، وتحافظ في الوقت نفسه على الهوية التاريخية والخصوصية الروحية لمدينةٍ تتشرف باحتضان المسجد النبوي الشريف واستقبال ملايين الزوار كل عام.
ولعل النجاح الحقيقي يكمن في أن هذه التنمية لم تجعل الحداثة على حساب الأصالة، ولم تجعل التطوير سببًا في طمس الهوية، بل نجحت في تحقيق معادلةٍ دقيقة تجمع بين قدسية المكان ومتطلبات العصر، وهي معادلة لا تتحقق إلا بوجود رؤية واضحة، وإدارة واعية، ومتابعة مستمرة.
وفي هذا الإطار تبرز المتابعة الحثيثة لصاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن سلطان بن عبدالعزيز، أمير منطقة المدينة المنورة، إلى جانب جهود صاحب السمو الملكي الأمير سعود بن نهار بن سعود بن عبدالعزيز، نائب أمير المنطقة، في دعم المشاريع والمبادرات التي تجعل الإنسان محور التنمية، وتعزز جودة الحياة، وترسخ مكانة المدينة المنورة بوصفها نموذجًا وطنيًا في التنمية الحضرية المستدامة.
إن أنسنة المدينة المنورة ليست مشروعًا ينتهي بافتتاح مرفق أو اكتمال طريق، بل هي ثقافة تنموية، ورؤية حضارية، ورسالة تؤكد أن المدن تُقاس بما تمنحه للإنسان من راحة، وما توفره له من كرامة، وما تصنعه له من بيئةٍ تحترم احتياجاته وتليق بمكانة المدينة.
ويبقى الرهان الحقيقي هو استدامة هذا النهج؛ لأن المدن التي تضع الإنسان في قلب التخطيط، هي المدن التي تكتب مستقبلها بثقة، وتترك أثرها في الذاكرة، وتغدو نماذج يُحتذى بها. والمدينة المنورة، بتاريخها ومكانتها، مهيأة لأن تكون في طليعة هذه المدن، حيث يلتقي شرف المكان بروعة الإنسان، وتصبح التنمية ترجمةً عمليةً لقيمٍ بدأت من هذه الأرض المباركة، وما زالت تُلهم العالم حتى اليوم.