أحمد آدم
المعطيات والأرقام الرسمية تعكس بدقة حجم النفوذ والعمق الاستراتيجي الذي تمتلكه المملكة العربية السعودية في هذا الملف الحيوي؛ فالمملكة ليست مجرد دولة تنتج مياهها، بل هي أكبر منتج للمياه المحلاة في العالم بحصة إنتاجية ضخمة تؤهلها بالفعل لتكون خط الدفاع المائي الأول لشبه الجزيرة العربية. وفيما يلي رصد دقيق لما تمتلكه المملكة من محطات على الساحل الغربي (البحر الأحمر) ونسبة تغطيتها للاحتياجات:
1 - حجم المنظومة على البحر الأحمر وطاقتها الإنتاجية
تتوزع على امتداد الساحل الغربي للمملكة شبكة معقدة وضخمة من محطات التحلية التي تديرها («الهيئة السعودية للمياه» المؤسسة العامة لتحلية المياه المالحة سابقاً)، بجانب مشروعات القطاع الخاص الشريكة:
أ - الانتشار الجغرافي: تمتلك المملكة ما يزيد على 22 إلى 24 منظومة إنتاجية متكاملة مخصصة فقط لساحل البحر الأحمر (من إجمالي 41 منظومة تحلية تمتلكها المملكة على الساحلين الشرقي والغربي).
ب - المدن المغطاة: تمتد هذه المحطات لتغطي مدناً ومحافظات استراتيجية كبرى؛ تبدأ من جدة، والشعيبة، وينبع، ورابغ، وصولاً إلى المحطات الشمالية والجنوبية في حقل، وضباء، والوجه، وأملج، والليث، والقنفذة، وفرسان، وجازان.
جـ - قلاع التحلية العملاقة:
- مجمع محطات الشعيبة: يُعد أحد أكبر مجمعات تحلية المياه في العالم، ويمد منطقة مكة المكرمة والمشاعر المقدسة والطائف باحتياجاتها المائية.
- مجمع محطات ينبع: يغذي منطقة المدينة المنورة والمحافظات التابعة لها، وشهد توسعات هائلة عبر تقنيات «التناضح العكسي» الحديثة والأقل استهلاكاً للطاقة عالمياً.
- رابغ وجدة: محطات عملاقة تعتمد بشكل شبه كامل على التقنيات الرقمية المتقدمة وتعمل كمصادر تغذية رئيسية للكتل السكانية الكثيفة في الغرب والوسط.
د - المحطات العائمة المتنقلة: دخلت الخدمة في الساحل الغربي أكبر محطات تحلية عائمة في العالم (مثل محطة الشقيق بطاقة 50 ألف متر مكعب يومياً)، وتتميز هذه المحطات بالمرونة العالية؛ حيث يمكن نقلها والمناورة بها عبر السواحل لسد أي عجز طارئ في أي منطقة.
2 - كم توفر هذه المحطات من احتياجات المملكة؟
عند النظر إلى نسب التغطية والاعتماد، تبرز الأرقام كفاءة البنية التحتية السعودية:
أ - نسبة الاعتماد الكلي (تغطية شبه كاملة): توفر محطات البحر الأحمر من 85% إلى 100% من الاحتياجات اليومية مياه الشرب لكافة المدن والمحافظات الواقعة في غرب وجنوب وشمال المملكة (مكة، المدينة، جدة، تبوك، جازان، عسير، الباحة). الاعتماد هنا يكاد يكون مطلقاً نظراً لشح المياه الجوفية العذبة في تلك المناطق الجبلية والساحلية.
ب - تغذية العمق الإستراتيجي (الوسط): لا يتوقف ضخ محطات البحر الأحمر عند المدن الساحلية، بل تساهم المحطات (مثل ينبع والشعيبة) في ضخ كميات ضخمة عبر أنابيب عملاقة عابرة للصحاري لتلتقي مع مياه محطات الساحل الشرقي (الجبيل ورأس الخير) في تغذية العاصمة الرياض ومنطقة نجد.
جـ - الحصة من الإنتاج التاريخي للمملكة: تنتج المملكة إجمالاً ما يزيد على 11.1 مليون متر مكعب من المياه المحلاة يومياً. يستأثر ساحل البحر الأحمر بحصة ضخمة تتراوح بين 45% إلى 50% من هذا الإنتاج الإجمالي، بينما يذهب النصف الآخر لساحل الخليج العربي لتغذية المنطقة الشرقية والرياض وصناعات النفط والغاز هناك.
3 - أيهما أفضل للتحلية: الخليج العربي أم البحر الأحمر؟: تظهر المقارنة الفيزيائية والبيئية بين الحوضين المائيين تمايزاً جوهرياً يصب في مصلحة الساحل الغربي للمملكة؛ فبينما يتسم الخليج العربي بكونه حوضاً ضحلاً للغاية (بمتوسط عمق لا يتجاوز أربعين متراً) وشبه مغلق، مما يرفع معدلات تملحه إلى مستويات قياسية (تتراوح بين 45 إلى 50 جزءاً في الألف) ويجعله شديد الحساسية للتطرف الحراري صيفاً وشتاءً، فضلاً عن بطء قدرته على التطهير الذاتي أمام بقع التلوث النفطي أو ظاهرة المد الأحمر، نجد في المقابل أن البحر الأحمر يمثل بيئة حاضنة أكثر استقراراً واستدامة لمحطات التحلية العملاقة.
فالبحر الأحمر حوض عميق جداً ومفتوح على التيارات الحيوية للمحيط الهندي، مما يمنحه ملوحة مستقرة وثابتة نسبياً (حوالي 41 جزءاً في الألف) مع استقرار ملحوظ في درجات حرارته على مدار العام، وهو ما ينعكس مباشرة على كفاءة تقنية «التناضح العكسي» (RO) عبر خفض الضغط الهيدروليكي المطلوب، وتقليل معدلات تآكل الأغشية والفلاتر، وبالتالي إطالة العمر الافتراضي للمحطات وخفض تكلفة صيانته المصرفية والتشغيلية مقارنة بالبيئة المجهدة للخليج العربي.
4 - الرؤية المستقبلية وسيناريو «المدد التضامني»
تتحرك المملكة حالياً في مشاريع «رؤية 2030» لربط هذه المنظومة بالكامل عبر «خزان استراتيجي ضخم»؛ حيث يتم حقن كميات هائلة من فائض إنتاج محطات البحر الأحمر في مكامن وبحيرات جوفية اصطناعية تحت الأرض. هذا التوجه، بجانب تحطيم المملكة لأرقام قياسية عالمية في خفض تكلفة إنتاج المتر المكعب واستهلاك الطاقة (ليصل إلى أقل من 2.27 كيلووات/ ساعة للمتر المكعب)، يعني أن المملكة قادرة في المدى المتوسط على تحقيق فائض تشغيلي حقيقي.
هذا الفائـض هو الذي يمثل «مخزون الطوارئ» وجدار الحماية والذي يمكن ضخه شرقاً باتجاه دول الخليج الشقيقة حال تعرض الساحل الشرقي لأي تهديد عسكري أو بيئي. ولكن انتظار المملكة للمدى المتوسط لاستكمال ذلك في بيئة جيوسياسية متسارعة ومشتعلة كالتي نعيشها هو مخاطرة غير محسوبة، والصحيح هو تحويل هذه «القدرة المؤجلة» إلى «جاهزية عاجلة على المدى القريب» عبر قرارات تنفيذية فورية وفارقة.
5 - دور المملكة في توفير المياه للمنطقة (مسارات المدى القريب السريعة)
المملكة لا تبدأ من الصفر، ولكن لنقل هذا السيناريو التضامني إلى أرض الواقع في غضون أشهر قليلة، يمكن للمملكة التركيز على مسارات سريعة وموازية لا تحتاج إلى سنوات البناء الطويلة:
أ - التفعيل الفوري للمحطات العائمة المتنقلة (سلاح الرد السريع): المملكة تمتلك بالفعل تكنولوجيا «محطات التحلية العائمة» على سفن وبوارج عملاقة متواجدة في البحر الأحمر. الإجراء العاجل: يمكن للمملكة فوراً زيادة أسطول هذه المحطات العائمة بالتنسيق مع شركات عالمية كبرى. هذه المحطات تتميز بأنها «جاهزة للخدمة» ولا تحتاج لإنشاءات مدنية تستغرق سنوات. في حال حدوث أي طارئ أو تلوث في الخليج، يمكن لهذه البوارج الإبحار والتموضع في نقاط استراتيجية آمنة (مثل بحر العرب أو خليج عمان المفتوحين) وضخ المياه مباشرة لشبكات الدول المتضررة عبر نقاط ربط ساحلية سريعة التجهيز.
ب - تسريع وتوجيه «أنظمة الربط المائي القائمة» (ممر الطوارئ العاجل): تمتلك السعودية شبكة أنابيب هي الأضخم عالمياً لنقل المياه من الغرب إلى الوسط (الرياض). الإجراء العاجل: بدلاً من بناء شبكة أنابيب جديدة بالكامل من الصفر عبر الصحراء، يمكن في المدى القريب العمل على «توسيع مخارج الطوارئ» للشبكة الحالية في وسط المملكة، وربطها بالخطوط المغذية للمنطقة الشرقية. هذا التعديل الهندسي في محطات الضخ الحالية يتيح للمملكة بشكل فوري تحويل مسار ملايين الأمتار المكعبات القادمة من البحر الأحمر وضخها «عكسياً» نحو الشرق لمواجهة أي جفاف طارئ لدى الأشقاء.
جـ - تفعيل «بروتوكول السحب الآمن» من المخزون الجوفي الموجه: قامت المملكة خلال السنوات الماضية بحقن كميات ضخمة من المياه المحلاة في طبقات المياه الجوفية التخزينية كاحتياطي استراتيجي. الإجراء العاجل: على المدى القريب، يمكن صياغة «اتفاقية دفاع مائي مشترك» تقضي بتجهيز حقول آبار ضخ عملاقة فوق هذه المكامن وتوصيلها فوراً بشبكات الربط الخليجي البيني (الربط القائم بين السعودية والكويت، أو السعودية والبحرين وقطر). هذا يجعل «المخزون الاستراتيجي الحالي تحت الأرض» قابلاً للإسالة والضخ الفوري للأشقاء بضغطة زر عند حدوث الأزمة، دون انتظار بناء محطات جديدة.
الجغرافيا العُمانية (الخروج من المصيدة)
تتميز سلطنة عُمان بامتلاكها سواحل ممتدة ومفتوحة مباشرة على بحر العرب والمحيط الهندي. هذا يعني جغرافياً وسياسياً:
- الأمان التام من كماشة هرمز: أي محطات تحلية تُقام في عُمان (مثل مناطق صور أو الدقم) تقع خارج نطاق التهديد المباشر والمغلق للخليج العربي، وبعيدة تماماً عن سيناريوهات إغلاق المضيق أو تلويثه ببقع النفط.
- العمق المائي المستقر: مياه بحر العرب تمتلك ذات الخصائص الفنية الممتازة للبحر الأحمر من حيث العمق، والتجدد المستمر، واستقرار الملوحة، مما يرفع الكفاءة التشغيلية للمحطات.
1 - العقيدة السياسية العُمانية (الاستقرار الموثوق)
الدبلوماسية العُمانية تاريخياً قائمة على مبدأ «الحياد الإيجابي» وبناء الجسور مع الجميع (بما في ذلك إيران). هذا التموضع يمنح أي مشروع استراتيجي مع المملكة حصانة خاصة؛ فالخصوم (وإيران تحديداً) سيفكرون ألف مرة قبل استهداف منشأة حيوية تقع على أراضٍ عُمانية، نظراً لعلاقات مسقط المتوازنة مع كافة الأطراف، مما يجعل المحطات هناك بمثابة «منطقة منزوعة الصراع» غير قابلة للمسّ.
2 - اختصار المسافات وطبيعة التضاريس (ممر الربع الخالي)
الربط المائي بين شرق السعودية وسلطنة عُمان عبر تمديد شبكات الأنابيب يمر بمحاذاة أو عبر «الربع الخالي» وصولاً للمناطق الشرقية والوسطى في المملكة، وهي تضاريس برغم قسوتها، إلا أنها ممهدة هندسياً لمد شبكات الأنابيب والخطوط البرية والمشاريع اللوجستية المشتركة (مثل الطريق البري المباشر ومنفذ الربع الخالي الذي يربط البلدين بالفعل).
3 - نموذج الشراكة التكاملية (التمويل مقابل الجغرافيا)
المعادلة هنا ستكون متزنة جداً وخالية من الحسابات السيادية:
- المملكة العربية السعودية: تقدم الدعم المالي، والاستثماري، والقدرة التكنولوجية الهائلة التي تمتلكها «الهيئة السعودية للمياه» لبناء وإدارة هذه القلاع المائية.
- سلطنة عُمان: تقدم الجغرافيا الاستراتيجية الآمنة، والحماية السياسية والدبلوماسية للمشروع، وتستفيد في الوقت ذاته من تأمين حصص مائية وتنمية مناطقها الساحلية والداخلية.
خلاصة الرؤية للمحور الأول: إن «محور الرياض -مسقط» في ملف الأمن المائي واللوجستي يمثل تطويقاً ذكياً لمعضلات الجغرافيا السياسية في الخليج. هو تحالف يقوم على التكامل الحقيقي (المال والخبرة السعودية مقابل الأرض والموقع العُماني المفتوح)، ويشكل خطة الطوارئ الحقيقية السريعة والتنفيذية لحماية الهوية والأمن القومي بعيداً عن صراعات النفوذ الإقليمية الضيقة.
المحور الثاني: تأمين الصادرات الاستراتيجية وتعددية منافذ الطاقة
مثلما يوفر محور (الرياض - مسقط) الاستقرار المائي، فإنه يمتلك المقومات اللوجستية لتأمين الصادرات النفطية لدول المنطقة بعيداً عن قيود مضيق هرمز، من خلال هندسة تكاملية مرنة:
أولاً: سلطنة عُمان (الرئة الجغرافية المفتوحة)
منطقة الدقم الاقتصادية الخاصة في سلطنة عُمان هي تجسيد حي لكيفية الهروب من «المصائد الجيوسياسية» والتحول نحو الفضاءات المفتوحة. إنها ليست مجرد منطقة صناعية تقليدية، بل هي أضخم مشروع اقتصادي وتنموي في تاريخ السلطنة، وبوابة استراتيجية صُممت خصيصاً لربط خطوط التجارة العالمية بين الشرق والغرب دون المرور بالممرات المائية الحرجة كمضيق هرمز.
1 - الموقع الجغرافي (الكنز الجيوسياسي)
تقع الدقم في محافظة الوسطى بسلطنة عُمان، وتطل مباشرة على بحر العرب والمحيط الهندي. هذا الموقع يمنحها ميزتين لا تقدران بثمن في الحسابات السياسية والعسكرية:
أ - خارج نقاط الاختناق: تقع المنطقة بالكامل خارج مضيق هرمز وخارج الخليج العربي. في حال نشوب أي صراع مسلح أو تعرض الخليج لتلوث بترولي يعوق الملاحة، تظل الدقم تعمل بكفاءة مطلقة كمنطقة مفتوحة على الملاحة العالمية الحرة.
ب - قربها من الأسواق الكبرى: تتوسط الدقم خطوط الملاحة البحرية بين أسواق المستهلكين الضخمة في آسيا (الهند والصين) ومصادر الطاقة والتجارة في إفريقيا وأوروبا.
2 - مجمع الدقم الحوضي والصناعي (البنية التحتية العملاقة)
تمتد المنطقة على مساحة هائلة تصل إلى حوالي 2000 كيلومتر مربع، وتنقسم إلى عدة مناطق استراتيجية متكاملة:
أ - ميناء الدقم: ميناء متعدد الأغراض ومجهز بأرصفة تجارية وحكومية وعسكرية، وصُمم لاستيعاب أكبر ناقلات النفط والحاويات في العالم. كما يضم رصيفاً خاصاً للمواد السائلة والسائبة (النفط ومشتقاته).
ب - مصفاة الدقم: مشروع استراتيجي عملاق (شراكة عُمانية كويتية) بدأ تشغيله التجاري بطاقة تكريرية تصل إلى 230 ألف برميل من النفط الخام يومياً، مما يحول المنطقة إلى مركز ثقل عالمي لتكرير وتصدير المشتقات النفطية.
جـ - الحوض الجاف: ثاني أكبر حوض جاف لإصلاح وصيانة السفن في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وهو قادر على استقبال وإصلاح أضخم السفن وناقلات النفط العملاقة، مما يوفر خدمات لوجستية متكاملة لخطوط الملاحة دون الحاجة لدخول الخليج.
3 - الدقم كـ«مستودع طاقة وبديل استراتيجي لشرق الجزيرة»
بالنسبة لتأمين صادرات النفط والمياه، فإن الدقم مؤهلة للعب هذا الدور عبر محورين:
أ - مشروع «رأس مركز» لتخزين النفط: تملك الدقم محطة «رأس مركز» العملاقة لتخزين النفط الخام خارج مضيق هرمز. هذه المحطة تمنح دولاً كالسعودية خطة طوارئ مثالية؛ حيث يمكن عبر تمديد أنابيب النفط من حقول المنطقة الشرقية السعودية عبر الربع الخالي إلى رأس مركز، تصدير النفط السعودي مباشرة إلى الأسواق العالمية من المحيط الهندي بأمان كامل.
ب - مشاريع الهيدروجين الأخضر والطاقة المتجددة: بفضل مساحاتها الشاسعة ومعدلات السطوع الشمسي والرياح العالية، تحولت الدقم إلى قبلة عالمية لمشاريع الطاقة النظيفة. هذه الطاقة المتجددة هي المحرك المثالي الذي يمكن استغلاله مستقبلاً لتقليل كلفة تشغيل محطات تحلية المياه العملاقة المشتركة بين المملكة والسلطنة.
4 - بيئة الاستثمار والتسهيلات القانونية
تتمتع الدقم بإدارة مستقلة تقدم حزمة من الحوافز التي تجعلها بيئة جاذبة للمال والسيادة المصرفية:
- إعفاءات ضريبية وجمركية تصل إلى عقود.
- السماح بالملكية الأجنبية الكاملة بنسبة 100%.
- غياب القيود على العملات الأجنبية وحرية تحويل الأرباح، مما يجعلها أرضاً خصبة لتأسيس كيانات مالية ومصرفية مشتركة تخدم المشروعات اللوجستية الإقليمية.
خلاصة القول: منطقة الدقم الاقتصادية هي «الرئة الجغرافية» والبديل الآمن لكل دول شبه الجزيرة العربية. إنها الأرض النموذجية لتطبيق الأفكار الاستراتيجية؛ ففيها تلتقي السيادة المائية (عبر التحلية على البحر المفتوح)، بالسيادة النفطية (عبر تخزين وتصدير الخام من رأس مركز)، بالسيادة اللوجستية، بعيداً عن مناوشات الخصوم الإقليميين وحروب الممرات الضيقة.
ثانياً: المملكة العربية السعودية (المناورة السيادية والبدائل النفطية)
المملكة لا تحتاج إلى البحث عن نقطة جغرافية من الصفر؛ فمنطقة «رأس مركز» القريبة من الدقم في عُمان صُممت خصيصاً لتكون مستودعاً عالمياً للنفط.
1 - نموذج «الأرض والمستودعات السيادية» (رأس مركز كقاعدة انطلاق)
أ - السيادة التخزينية: قيام المملكة بالاستحواذ على حصة تشغيلية مهيمنة لإنشاء «خزانات استراتيجية عملاقة» سيوفر لها سعة تخزينية مرنة تتسع لعشرات ملايين البراميل.
ب - الربط مع خط «شرق - غرب» الحالي: تمتلك السعودية بالفعل خط أنابيب (شرق - غرب) الذي ينقل النفط من حقول الشرقية إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر بطاقة تصل إلى حوالي 5 ملايين برميل يومياً. ويمتد هذا المقترح ليقضي بمد تفرع أو إنشاء خط موازٍ ينطلق من حقول الإنتاج أو ينحرف جنوباً ليعبر الربع الخالي مباشرة نحو الخزانات العُمانية على المحيط الهندي.
2 - شبكة المناورة الثلاثية (المرونة القصوى للمملكة)
بتنفيذ هذا المقترح، تصبح الخريطة النفطية السعودية محصنة بنسبة 100%، حيث تمتلك ثلاثة منافذ تصديرية تعمل بالتوازي:
- المنفذ التقليدي: عبر الخليج العربي ومضيق هرمز (في ظروف السلم والهدوء).
- المنفذ الغربي: عبر البحر الأحمر وميناء ينبع (نحو الأسواق الأوروبية والأمريكية عبر قناة السويس).
- المنفذ الجنوبي الجديد: عبر خزانات عُمان والمحيط الهندي مباشرة (نحو الأسواق الآسيوية العملاقة).
وإذا أُغلق مضيق هرمز أو تعرض للتلوث، يتم توجيه الدفق النفطي فوراً نحو الغرب (ينبع) ونحو الجنوب (عُمان)، مما يحرم أي خصم إقليمي القدرة على التأثير على المملكة اقتصادياً.
3 - الدخول الصيني (الضامن الجيوسياسي والمستهلك الأكبر)
تواجد الصين في هذه المعادلة هو ضربة معلم سياسية واقتصادية لعدة أسباب جوهرية:
أ - تأمين شريان الحياة الصيني: الصين هي المستورد الأكبر للنفط السعودي، وأي توتر في مضيق هرمز يهدد أمن الطاقة الصيني مباشرة. لذلك، فإن بكين لديها مصلحة أمنية قومية قصوى في تمويل وبناء خطوط وخزانات الدقم/ رأس مركز لتضمن تدفق النفط إليها عبر المحيط الهندي دون أي معوقات أمريكية أو إقليمية.
ب - الخبرة التمويلية والهندسية المتكاملة: الصين عبر شركاتها العملاقة (مثل سنوپك تمتلك أسرع وأكفأ تكنولوجيا في العالم لبناء خزانات النفط الضخمة وشبكات الأنابيب العابرة للصحاري وبكلفة تنافسية، ويمكنها ربط هذا المشروع بمبادرة «الحزام والطريق».
جـ - الحماية الدبلوماسية: ارتباط الصين بهذا المشروع كشريك بنائي وتجاري يمنحه حصانة دولية؛ فلن تجرؤ أي قوة إقليمية (بما فيها إيران) على تهديد أو قصف منشآت تخزينية تخدم المصالح الحيوية المباشرة لجمهورية الصين الشعبية.
الخلاصة الإستراتيجية للمحور الثاني: تحول النفط السعودي من الاعتماد على الجغرافيا إلى «سيد للمسارات». إن دمج التمويل والتكامل التجاري الصيني، مع الجغرافيا العُمانية المفتوحة، والقرار السيادي السعودي، هو إعلان نهاية حتمية لـ «عصر الابتزاز بالممرات المائية».
المحور الثالث: تعزيزعمق الإسناد البشري واللوجستي (إستراتيجية الحواضر البديلة)
إن الإستراتيجية المتكاملة لتأمين الاقتصاد والطاقة تكتمل بتبني مفهوم «الاستدامة اللوجستية والبشرية»، من خلال تطوير حواضر اقتصادية وتنموية احتياطية في مناطق العمق الآمن جيوسياسياً ومتاخمة جغرافياً (مثل السواحل الغربية للمملكة، ومصر، والأردن)، لتكون بمثابة قواعد إسناد وحماية للكوادر الفنية والاقتصادية والمواطنين وقت الأزمات.