عبد العزيز الموسى
لا تبدأ أخطاء كتابة تاريخ الأفكار من الوقائع، بل من الطريقة التي نقرأ بها تلك الوقائع. ومن أخطر تلك الأخطاء قراءة السابق في ضوء اللاحق؛ فيجعل الفكر المتقدم مجرد تمهيد لما انتهى إليه المتأخر، وكأن التاريخ يسير في خط مستقيم، بينما المنهج العلمي يقتضي أن يقرأ كل مشروع في سياقه الزمني والمعرفي، لا في ضوء ما آل إليه غيره بعد عقود أو قرون. ويعرف هذا في دراسات تاريخ الأفكار بالقراءة الارتجاعية للتاريخ، أي تفسير الأفكار السابقة بنتائج الأفكار اللاحقة، وهو مزلق يقع فيه كثير من الباحثين عند الانخداع بالتشابهات، وتحويل الاشتراك في بعض المصطلحات إلى دليل على وحدة المنهج، أو اتخاذ العبارات المتقاربة برهاناً على علاقة تأثير تاريخي لم تثبتها الوثائق ولا الوقائع. وفي هذا السياق، تتكرر محاولات لربط المدرسة السلفية الأثرية، في نموذجها الإصلاحي النجدي، بأطروحات سيد قطب الحركية، اعتماداً على اقتباسات مجتزأة وألفاظ مشتركة، مع أن المنهج العلمي لا يثبت مثل هذه الصلات بمجرد تشابه المفردات، بل بقراءة الأصول والسياقات والبنية الفكرية لكل مشروع.
وأول ما يؤخذ على هذه المقارنات الارتجاعية أنها تخلط بين المشترك اللفظي والتطابق المنهجي. فمصطلحات مثل: التوحيد، والجاهلية، والطاغوت، والولاء والبراء، والهجرة، ليست مفاهيم أفرزتها مدرسة بعينها، وإنما هي مفاهيم قرآنية ونبوية أصيلة، تداولها علماء الإسلام في مصنفاتهم عبر القرون. فالاشتراك في الميراث العلمي لا ينهض دليلاً على الاقتباس من مدرسة بعينها، وليست المشكلة في مصدر المصطلح، بل في البنية التي يعمل داخلها؛ فقد يتفق مشروعان في المصدر الشرعي، ثم يختلفان اختلافاً جذرياً في طريقة بناء المفهوم وحدود تنزيله ووظيفته داخل النسق الفكري. فالكلمات لا تحمل معناها بذاتها، وإنما تكتسب معناها من الشبكة المفهومية التي تنتمي إليها؛ فالمفاهيم لا تقرأ معزولة، وإنما داخل النسق الذي يمنحها معناها. ولهذا قد تتطابق الألفاظ بينما تتباين الرؤى، كما قد تختلف المصطلحات بينما تتحد المقاصد. وهذا وجه من وجوه مغالطة التشابه، التي تستبدل فيها البنية الفكرية بالتشابه الاصطلاحي، فيتحول الاشتراك في المفردة إلى دعوى بالامتداد التاريخي.
إن الفكر لا يعرف بأسمائه المجردة، بل بالطريقة التي يعمل بها المفهوم داخل منظومته، وبالنتائج التي يفضي إليها. وهناك فرق جوهري بين تقرير المفهوم وبين كيفية تنزيله؛ فالشيخ محمد بن عبد الوهاب تحرك داخل منظومة فقهية أثرية راسخة، تقوم على النص، وتراعي شروط الأحكام وموانعها، وتفرق بين الحكم على الفعل والحكم على المعين. أما في الطرح الحركي المعاصر، فقد نقلت بعض هذه المفاهيم إلى سياق فكري مختلف، واتسعت دلالاتها لتصبح إطاراً عاماً لتوصيف المجتمعات والأنظمة، بما أفضى إلى نتائج مغايرة في النظر والممارسة. ومن هنا فإن التشابه في المفردة لا يلغي الاختلاف الجذري في البنية والوظيفة والمآل.
ولا تثبت العلاقة بين مدرستين فكريتين بمجرد تشابه المصطلحات، وإنما يثبتها النقل المباشر، أو التصريح بالتأثر، أو وحدة الأصول المنهجية، أو استمرار السلسلة العلمية الموثقة، وهو ما استقر عليه منهج الباحثين في تاريخ الأفكار وتاريخ العلوم. وتكشف دراسات تاريخ الأفكار أن التأثر ـ إن ثبت ـ لا يساوي الامتداد، كما أن الاقتباس لا يعني التطابق، وإلا لكان كل من نقل عن ابن تيمية امتداداً لمدرسته في جميع نتائجها، وهو ما لا يقول به باحث في تاريخ الفكر. فالعلاقة بين الأفكار ليست ثنائية: تأثر أو استقلال تام، بل قد تكون علاقة استفادة جزئية، أو إعادة توظيف، أو حتى معارضة تنطلق من المرجعية نفسها؛ ولهذا فإن اختزال تاريخ الأفكار في سؤال: «من أخذ ممن؟» يوقع في تبسيط يخل بطبيعة تشكل المدارس الفكرية. ويزداد الخلل المنهجي حين يصور المشروع الإصلاحي النجدي وكأنه مشروع مستقل نشأ بمعزل عن الامتداد العلمي الذي سبقه، أو كأنه حركة أيديولوجية حديثة يمكن إلحاقها بالمشاريع الحركية المعاصرة؛ والحقيقة أنها امتداد طبيعي للمدرسة الأثرية، تستمد أصولها من الكتاب والسنة، ومن تراث الإمام أحمد بن حنبل، وابن تيمية، وابن القيم.
إن العلاقة بين هذه المدرسة والمشروع الحركي ليست علاقة امتداد تاريخي، وإنما علاقة اشتراك في بعض المرجعيات الإسلامية العامة، مع اختلاف في بنية التفكير، وأولويات الإصلاح، وآليات تنزيل المفاهيم. ويزداد هذا الخلل وضوحاً عند النظر في القضايا التي تشكل البناء الداخلي لكل مشروع؛ ففي أبواب الإمامة، ولزوم الجماعة، والسمع والطاعة، وضوابط التكفير، ومراعاة المصالح والمفاسد، تظهر فروق جوهرية تمس بنية المشروع نفسه، لا بعض فروعه. ويضاف إلى ذلك الخلط بين الأحكام الكلية وتنزيلها على الوقائع والأعيان؛ فكثير من النصوص التي تستدعى في هذه المقارنات تتناول أحكاماً عامة أو وقائع مخصوصة، ثم تنزع من سياقها لتفهم وكأنها أحكام مطلقة على جميع الأزمنة والأمكنة، بينما تؤكد مدونات المدرسة السلفية الأثرية في السعودية على ضوابط تنزيل الأحكام وشروطها وموانعها. ولا يقف الأمر عند حدود الخلط الفقهي، بل يمتد إلى خطأ تاريخي لا يقل جسامة، وهو إسقاط وقائع الماضي على واقع مغاير تماماً؛ فالأحكام الفقهية التي صيغت في بيئة الجزيرة العربية في القرن الثاني عشر الهجري جاءت لمعالجة ظروفها السياسية والدينية، ولا يمكن نقلها إلى سياقات الدولة الحديثة دون اعتبار الفوارق الجوهرية بين البيئتين.
وهنا يتجلى الفارق الأعمق بين المشروعين، وهو اختلاف الغاية قبل اختلاف الوسيلة. فقد كان مشروع الدعوة الإصلاحية مشروعاً إصلاحياً دينياً، يدور حول تصحيح الاعتقاد، وتجريد التوحيد، وإقامة الدين في النفوس. أما المشروع الحركي الحديث، فتقدمت فيه إشكالية الدولة والسلطة والتنظيم السياسي بوصفها محوراً رئيساً، وأعيد توظيف العقيدة ـ في بعض أطروحاته ـ داخل مشروع التغيير السياسي. وهذا فرق يغير طبيعة المشروع كله، ويجعل المقارنة بينهما على أساس بعض المصطلحات وحدها مقارنة تفتقد إلى أبسط مقومات الدقة العلمية. ولعل أبلغ شاهد على ذلك أن كبار علماء المدرسة الأثرية في العصر الحديث كانوا من أكثر الأصوات نقداً للأطروحات الحركية، وبياناً لمواضع الخلاف معها في قضايا المنهج، والتكفير، والسمع والطاعة، وفقه المصالح والمفاسد.
وليس من قبيل المصادفة أن تتكرر هذه المقارنات في الخطاب المعاصر؛ فقد شهدت الساحة، خلال العقود الماضية، محاولات متكررة لإضفاء مشروعية على بعض المشاريع الحركية من خلال وصلها بالموروث الأثري السلفي في نجد. ولهذا يستمر هذا النمط من المقارنات؛ إذ يستعاض أحياناً عن البرهنة على الامتداد التاريخي أو المنهجي بحشد التشابهات اللفظية والاقتباسات المجتزأة لإنتاج انطباع بوجود وحدة فكرية بين مشروعين يختلفان في المرجعية، والمنهج، والأولويات، والغاية. وفي الواقع، كثيراً ما تستعمل هذه المقارنات لإضفاء شرعية تاريخية لبعض المشاريع الفكرية المعاصرة؛ فحين يقدم سيد قطب بوصفه الامتداد الطبيعي للمدرسة الأثرية، فإن المقارنة لا تقتصر على تفسير الماضي، بل تسعى إلى إيجاد صلة برمز ديني وتاريخي راسخ في الوعي. ولهذا فإن نقد هذه المقارنات يهدف إلى حماية التاريخ الفكري من التوظيف الأيديولوجي، وصيانة البحث العلمي من تحويل التشابه في الألفاظ إلى دعوى بالامتداد والتأثر، وصون الفارق بين الدراسة العلمية وإعادة تشكيل الوقائع لخدمة تصورات لاحقة.
وليس الميزان، في نهاية المطاف، أن تتشابه الألفاظ؛ فالألفاظ ميراث الأمة جميعاً، وإنما في ألا تنزع من سياقاتها، وتجرد من مناهجها، ثم تستعمل لإعادة رسم خرائط فكرية لم يعرفها التاريخ. فالمقارنة العلمية لا تقوم على جمع الاقتباسات، وإنما على فهم المشاريع في أصولها، ومقاصدها، وسياقاتها. وعندئذ يصبح التشابه قرينة تحتاج إلى تفسير، لا حكماً جاهزاً على التأثر والامتداد. وحين يغيب هذا الميزان، لا يعود التاريخ مجالاً للفهم؛ وحين يقرأ بهذه الطريقة الارتجاعية، فإنه لا يكشف كيف نشأت الأفكار، بل كيف نريد لها أن تبدو، وتلك ليست كتابة للتاريخ، وإنما إعادة كتابة له. والفرق بين كتابة التاريخ وإعادة كتابته، هو الفرق بين البحث عن الحقيقة، والبحث عما يؤيد فكرة سابقة. ففساد المنهج لا يفضي إلى أجوبة خاطئة فحسب، بل يفضي قبل ذلك إلى أسئلة خاطئة، ومن أخطأ السؤال، عسر عليه أن يبلغ الحقيقة.. إلى اللقاء.