أحمد صالح حلبي
قبل أيام «تصدرت المملكة العربية السعودية دول مجموعة العشرين (G20) في مؤشر الشعور بالأمان لعام 2025، محققة نسبة بلغت 97.7 % للأفراد الذين يشعرون بالأمان عند السير بمفردهم»، وحققت المرتبة الأولى بين دول المجموعة «وفقاً للبيانات التي أعلنتها الهيئة العامة للإحصاء بالاستناد إلى قاعدة بيانات الأمم المتحدة لأهداف التنمية المستدامة».
وتصدر المملكة لهذه المرتبة ليست غريبة، فمنذ أن وحد الملك عبدالعزيز -طيب الله ثراه- أرجاء الجزيرة العربية وأعلن قيام المملكة العربية السعودية، برزت جهوده في حفظ الأمن، وهذا ما أكده الرحالة والمؤرخون ومنهم أمير البيان شكيب أرسلان في كتابه (الارتسامات اللطاف في خاطر الحاج إلى أقدس مطاف)، قائلا: «إنه ما إن تأسست الدولة السعودية ودخل الملك عبدالعزيز ـ يرحمه الله ـ مكة المكرمة، والذي كان همه الأول بسط الأمن وتأمين طرق الحجاج، حتى عم الأمن والأمان ربوع المملكة العربية السعودية، لا سيما منطقة مكة المكرمة والمدينة المنورة».
وأضاف: «لو لم يكن من مآثر الحكم السعودي سوى هذه الأمنة الشاملة الوارفة الظلال على الأرواح والأموال التي جعلت صحاري الحجاز وفيافي نجد، آمن من شوارع الحواضر الأوروبية، لكان ذلك كافياً في استجلاب القلوب واستنطاق الألسن في الثناء عليه».
ووصف الرحالة والأديب محيي الدين رضا في كتابه «رحلتي إلى الحجاز» الأحوال الأمنية في عام 1353هــ، وهو العام الذي حج فيه إذ قال «إنه حدث تغير كبير في حال قطاع الطريق واللصوص الذين كانوا يتربصون بالحجاج في العهود السابقة، حيث أصبحوا في عهد -ابن سعود- أقرب إلى الانضباط وعدم الاعتداء على الحجاج فإذا سار الحاج وحده في تلك الصحاري بلا رفيق ولم يشأ أن يعطي أحداً من المتسولين فلا يجرؤ أحدهم أن ينال من الحاج شيئا ولا يمد يده بسوء».
فيما ذكر الدكتور عباس متولي حمادة استاذ الشريعة بكلية حقوق القاهرة، في كتابه (مشاهداتي في الحجاز) ما شاهده ولمسه من استتباب الأمن والأمان، قائلا إنه بعد أن تعطلت بهم السيارة في الطريق من مكة المكرمة الى المدينة المنورة: «جاء بعض الأعراب يطلبون إحساناً، فتقدم إلي أحدهم يطلب مني صدقة فأعطيت غيره متظاهراً بالغنى والثراء، فقال: أعطني يا حاج، فقلت خذ ما تريد من جيبي! فقال: حرام عليك وما جنيت؟ أتريد قطع يدي لا يا بوي لا أطلب شيئاً، فقلت: إننا في عزلة عنهم (يقصد بذلك الحكومة)، فازداد الرجل إصراراً.
فدهشت لهذا ورددت قول سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه (إن الله ليزع بالسلطان أكثر مما يزع بالقرآن) وأعطيته ما تيسر، ولقد مكثنا في مكاننا إلى ساعة متأخرة من الليل، أحضروا أثناءها الماء واللبن وأكرموا وفادتنا من غير أن يتعرض أحد منهم لنا بسوء».
ويقول: «استتباب الأمن بهذا الشكل لم يوجد في الحجاز إلا بعد تنفيذ شريعة الله، وإقامة حدوده».
وأوردت الباحثة اريج بنت محسن العوفي في دراستها بعنوان: «جهود الملك عبدالعزيز في حفظ الأمن في الحجاز (1344 – 1373هـ/ 1925 – 1953م)»، التي نشرها كرسي الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود لدراسة تاريخ مكة المكرمة، الظروف الأمنية التي عاشتها منطقة الحجاز قبل عهد الملك عبدالعزيز، وحالة الحجاز بعد دخول الملك عبدالعزيز، والإصلاحات التي قام بها لتحسين أوضاع المنطقة.
واليوم في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وسمو ولي عهده الأمين صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز -حفظهم الله- أصبح حجاج بيت الله الحرام يتمتعون بأمن وأمان وراحة واطمئنان، من خلال خطط وبرامج ومبادرات وزارة الداخلية التي يعمل صاحب السمو الملكي الأمير عبدالعزيز بن سعود بن نايف آل سعود، وزير الداخلية على مناقشتها ومتابعة تنفيذها ليتمكن ضيوف الرحمن من أداء نسكهم بيسر وسهولة من خلال مشاركة كافة قطاعات وزارة الداخلية.
وتأتي قيادة قوات أمن الحج كجهة أمنية عليا تتولى مسؤولة تنفيذ خطط أمن وسلامة ضيوف الرحمن في مكة المكرمة والمشاعر المقدسة، والقيادة الإشراف على إدارة الحشود، وتنظيم حركة المرور، مكافحة المخالفين، وتطبيق الأنظمة عبر منظومة متكاملة من القطاعات العسكرية، موظفة أحدث التقنيات الأمنية وأنظمة الذكاء الاصطناعي لمتابعة الحالة الأمنية وإدارة الحشود، وآخر المستجدات الأمنية.
والحديث عن أمن الحج يأخذنا للحديث عن قيادة القوات الخاصة لأمن الحج والعمرة، التي لا تنحصر مهامها ومسؤولياتها في توفير الحماية الأمنية الشاملة داخل الحرمين الشريفين وساحاتهما، بل تعلم على إدارة وتنظيم حشود الحجاج والمعتمرين بالبيت الحرام والزوار بالمسجد النبوي والمصلين بالحرمين الشريفين، لضمان انسيابية الحركة والقضاء على التزاحم وتوفير مسارات آمنة للجميع.
ولأنها قيادة تقدم خدماتها للحجاج والمعتمرين والزوار، فإنها تعمل على وضع تنظيمات آمنة وخدمات إنسانية تحرص على كبار السن وأصحاب الهمم، وإرشاد التائهين.
ومن خلال دورات في اللغات يلتحق بها منسوبو القوة عبر برامج تدريبية مكثفة أصبحنا نرى أفرادها وهم يتحدثون مع الحجاج والمعتمرين والزوار بلغاتهم لمساعدتهم.
وتبرز الدوريات الأمنية التي تأسست عام 1976م، كواحدة من القطاعات الأمنية التي عملت على تحويل أدائها من الأداء الميداني التقليدي إلى منظومة «الدورية الذكية» المجهزة بأحدث التقنيات»، و«زودت المركبات بكاميرات عالية الدقة وأنظمة رصد آلي مرتبطة بمركز العمليات. وتتيح هذه التقنية التعرف على المركبات المشتبه بها أو المطلوبة بشكل فوري وبث الأحداث مباشرة لغرف التحكم».
أما القوات الخاصة لأمن الطرق، والتي تتمثل مهامها ومسؤولياتها في توفير «الأمن الشامل» بشبكات الطرق الخارجية، وتقديم خدمات الإنقاذ والإسعاف، وتطبيق الأنظمة الحكومية المرتبطة بالمركبات والسلامة العامة للمسافرين.
فإضافة لمهامها الأمنية تعمل على تقديم الدعم والمساعدة الإنسانية للمسافرين في الحالات الطارئة، وكم من مركبة انقطع بها الوقود، وتولت دورية أمن الطرق توفيره، وكم من مركبة انفجر إطارها وقامت دورية أمن الطرق بمساعدة صاحبها لاستبداله.
وفي الختام أقول إن الحديث عن القطاعات الأمنية ودورها في خدمة الفرد والمجتمع يطول، لكنني أختم قولي بأن حصول المملكة على المرتبة الأولى، وتفوقها على باقي دول مجموعة العشرين بنسبة عالية بلغت (97.7 %) من الأفراد الذين يشعرون بالأمان التام عند السير بمفردهم ليلاً، جاءت متوافقة مع برنامج جودة الحياة أحد برامج رؤية المملكة 2030 الذي يعمل على تحسين جودة حياة الفرد والأسرة في المملكة العربية السعودية.