منصور بن صالح العُمري
أهي هذا النفس الذي يتردد بين الضلوع؟ أم هذا الدم الذي يسري في العروق؟ أم هذه الخطوات التي تضج بها الطرقات صباح مساء؟
لو كانت الحياة كذلك، لما وصف الله الكافر بأنه ميت وهو يمشي، ولما سمى الشهيد حيًّا وهو تحت الثرى.
إن في الآية حياة إذا نزلت في القلب، صار الهمُّ عبادة، والبلاء رفعة، والوحدة أُنسًا، والدمعة طهارة، والفقر غنى، والموت أول الطريق لا آخره.
لهذا لم يقل الله: استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما ينفعكم، مع أن دينه كله نفع، ولم يقل: لما يسعدكم، مع أن السعادة ثمرة شرعه، ولم يقل: لما يصلحكم، مع أن الصلاح أثر هداه.
بل اختار كلمةً لو تأملتها القلوب لذابت خشوعًا: {لِمَا يُحْيِيكُمْ}.
وكأن كل ما سوى هذه الحياة ليس حياةً في ميزان السماء.
وتأمل قبلها قوله: {إِذَا دَعَاكُم}.
إنها ليست صيغة سلطانٍ يأمر رعيته، وإنما صيغة اللطيف الذي يعلم أنك تائه، فيدعوك إلى الطريق، وعطشان، فيدعوك إلى النهر، وبارد الروح، فيدعوك إلى الدفء.
إنها هنا دعوة رب الأرباب لعبدٍ لو هلك ما نقص من ملكه شيء، ولو اهتدى ما زاد في ملكه شيء.
فمن أجل من كانت الدعوة؟
كانت لك.
كل أمرٍ في هذا الدين هو في حقيقته بابٌ من أبواب الحياة.
الصلاة ليست حركاتٍ تؤدى، بل قلبٌ كان مشتتًا فردَّه الله إليه.
والقرآن ليس ألفاظًا تتلى فحسب، بل روحٌ ينفخها الله في الأفئدة اليابسة.
والتوبة ليست رجوعًا من ذنبٍ، بل رجوع ميتٍ إلى الحياة.
ولهذا وصف الله من حُرم هذه الحياة بالموت، وإن كان يمشي بين الناس، فقال سبحانه: {أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ}. فكانت الحياة أولًا، ثم جاء النور ثمرةً لها؛ لأن القلب إذا أحياه الله، أشرقت بصيرته، ورأى بنور الوحي ما لا تدركه الأبصار، وأبصر من لطف الله في مواطن البلاء ما لا يراه الغافلون.
والذكر ليس كلماتٍ على اللسان، بل نبضُ قلبٍ عاد إليه الدم بعد طول انقطاع.
حتى الابتلاء.. إذا قادك إلى باب الله، كان حياةً متنكرة في ثياب الألم.
وحتى النعمة.. إذا أبعدتك عنه، كانت موتًا متخفيًا في ثياب الفرح.
وكم من إنسانٍ يملأ الدنيا ضجيجًا، وقلبه أوحش من قبر.
وكم من عبدٍ لا يملك من الدنيا إلا سجادةً ودمعةً في جوف الليل، وهو يحيا من السكينة ما لو قُسم على أهل الأرض لكفاهم.
ثم يأتي التحذير الذي تقشعر له الأرواح: {وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ}.
وكأن الآية تقول: لا تؤخر الإجابة.
فإن أخطر العقوبات ليست أن يُغلق بابٌ من أبواب الدنيا، بل أن يُغلق قلبٌ كان يسمع النداء، ثم لم يعد يسمعه. إن القلب إذا أكثر من رد الدعوات، أوشك أن يُحرم لذة سماعها.
وإذا أكثر من التسويف، أوشك أن يصبح الغد سجناً لا يخرج منه أبدًا.
يا للعجب..
الناس كلهم يفرون من الموت، والله يدعوهم إلى الحياة.
والناس يظنون أن الطاعة تُنقص أعمار لذاتهم، وهي في الحقيقة تزيد أعمار قلوبهم.
فإذا سمعت نداء الله، فلا تقل: ماذا سأترك وراء ظهري؟
بل قل: أيُّ حياةٍ ينتظرها قلبي إذا أجبت؟
فلعل أعظم نعمةٍ امتنَّ الله بها على عبدٍ ليست مالًا، ولا ولدًا، ولا جاهًا، وإنما أن يسمع نداء السماء.. ثم يُرزق الاستجابة.
فما كلُّ من سمع الدعوة أُذن له أن يجيب، ولكن السعيد من دعاه اللطيف، فأحيا قلبه قبل أن يحيي جوارحه، فإذا عاش القلب، هان بعد ذلك كلُّ ما يموت.
وصدق الله إذ يحذرنا: {فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ}.