مهدي آل عثمان
حين يناقش مجلس الشورى التعليم، فإن القضية لا تتعلق بتقرير سنوي فحسب، بل بمستقبل وطن يستثمر في الإنسان، ويؤمن بأن التنمية الحقيقية تبدأ من المدرسة، وتمتد إلى الجامعة، وتنتهي بمواطن قادر على الإبداع والمنافسة والإسهام في بناء وطنه. ومن هذا المنطلق جاءت مداولات مجلس الشورى في جلسته المنعقدة يوم الثلاثاء 30 يونيو 2026، أثناء مناقشة التقرير السنوي لوزارة التعليم للعام المالي 1446 - 1447هـ، لتبعث برسائل مهمة تؤكد أن تطوير التعليم عملية مستمرة لا تتوقف عند الإنجازات، بل تقوم على المراجعة والتقييم واستشراف المستقبل.
وما يميز هذه الجلسة أن مداخلات أعضاء مجلس الشورى لم تكن متفرقة أو مقتصرة على جانب محدد، بل جاءت شاملةً لمعظم محاور التعليم، فتناولت الطالب، والمعلم، والأسرة، والموهبة، والابتعاث، والبيئة المدرسية، والتحول الرقمي، والذكاء الاصطناعي، والبنية التحتية. وهذا التنوع يعكس إدراكاً بأن تطوير التعليم لا يتحقق بقرار منفرد، وإنما برؤية متكاملة تتكامل فيها الأدوار، وتترابط فيها جميع عناصر العملية التعليمية.
ومن أبرز الرسائل التي حملتها المداولات أهمية قياس أثر برامج الابتعاث الخارجي، وربط مخرجاتها باحتياجات التنمية الوطنية. فالمملكة استثمرت بسخاء في إعداد كوادرها العلمية، وأصبح من الضروري أن تكون هناك منظومة وطنية تقيس العائد من هذه الاستثمارات، وتتابع إسهامات المبتعثين في الاقتصاد الوطني، والبحث العلمي، ونقل المعرفة، بما يحقق أفضل استفادة ممكنة من هذه الطاقات.
كما أكدت المداخلات أهمية إعادة الاعتبار للقراءة بوصفها أساساً لبناء الإنسان. فالطالب الذي يعتاد القراءة يمتلك قدرة أكبر على الفهم والتحليل والاستيعاب، ويصبح أكثر استعداداً للتعلم الذاتي، وهي مهارات لم تعد ترفاً معرفياً، بل أصبحت من متطلبات المنافسة في عالم المعرفة والاقتصاد الرقمي.
ومن الأفكار الجديرة بالاهتمام أيضاً الدعوة إلى إنشاء قاعدة معلومات وطنية تربط التعليم العام بالجامعات لرصد الطلبة المتميزين والموهوبين، ومتابعة مسيرتهم التعليمية بصورة مستمرة. فالموهبة الوطنية تحتاج إلى اكتشاف مبكر، ورعاية متواصلة، وبرامج نوعية تضمن استمرارها حتى تتحول إلى قيمة مضافة للوطن، بدلاً من أن تتعثر بسبب غياب التنسيق بين مراحل التعليم المختلفة.
وفي الميدان التعليمي، برزت المطالبة بوضع حد أعلى وسقف واضح لعدد الطلاب في الفصل الدراسي، وهي قضية ترتبط مباشرة بجودة التعليم. فالفصل الأقل كثافة يمنح المعلم فرصة أكبر للتفاعل مع طلابه، ويتيح للطالب اهتماماً أوسع، ويرفع من مستوى التحصيل العلمي. كما أن تطوير الأنظمة الإلكترونية، ومنها نظام «حضوري»، يعكس أهمية مراجعة الأدوات التقنية باستمرار حتى تكون عوناً للميدان لا عبئاً عليه.
ولم تغفل المداولات الحديث عن البيئة المدرسية، من خلال المطالبة بتحسين أداء منصة «نور»، والعناية بصيانة المباني والمرافق، واستكمال تغطية المدارس بخدمات الإنترنت عالي السرعة. فنجاح التحول الرقمي لا يعتمد على إطلاق الأنظمة الإلكترونية فحسب، بل يحتاج إلى بنية تحتية قوية، ودعم فني مستمر، وخدمات مستقرة تضمن انسيابية العمل داخل المدرسة.
ومن الرسائل المهمة التي حملتها الجلسة أيضاً ضرورة الاستعداد للمستقبل، عبر دمج مهارات الذكاء الاصطناعي، وتحليل البيانات، والبرمجة، والأمن السيبراني في التعليم العام، مع تعزيز الشراكة مع الأسرة. فالمستقبل لن ينتظر أحداً، والوظائف القادمة ستتطلب مهارات مختلفة، والمدرسة مطالبة اليوم بإعداد طالب يمتلك أدوات القرن الحادي والعشرين، لا أن يكتفي بحفظ المعلومات.
أما المعلم، فقد كان حاضراً في عدد من المداخلات، سواء من خلال المطالبة بمراجعة آلية تحديد الاحتياج بما يحقق التوازن بين سد احتياج المدارس وإتاحة فرص النقل، أو من خلال الدعوة إلى دراسة أسباب التقاعد المبكر، وتحسين بيئة العمل، والحد من الإرهاق الوظيفي الناتج عن تسارع المبادرات والاستراتيجيات. وهي رسائل تؤكد أن أي مشروع لتطوير التعليم لن ينجح ما لم يكن المعلم شريكاً فيه، يحظى بالدعم والاستقرار والتقدير.
إن مداولات مجلس الشورى بشأن تقرير وزارة التعليم لم تكن مجرد مناقشة لتقرير سنوي، بل كانت رسالة واضحة تؤكد أن التعليم يحظى باهتمام وطني كبير، وأن تطويره مسؤولية مشتركة تتطلب تكامل الأدوار بين الجهات التشريعية والتنفيذية، وبين المدرسة والأسرة والمجتمع. والأهم من ذلك أن تتحول هذه المداولات إلى مبادرات تنفيذية ومؤشرات أداء قابلة للقياس، يشعر بها الطالب في تحصيله، والمعلم في بيئة عمله، وولي الأمر في مستوى تعليم أبنائه.
والرسالة موصولة إلى وزارة التعليم أن ما طُرح تحت قبة مجلس الشورى من مقترحات ورؤى يعكس خبرات وطنية جديرة بالدراسة والاهتمام، وأن يؤخذ بعين الاعتبار عند إعداد الخطط والبرامج التطويرية، من خلال تقييمها علمياً، وقياس أثرها، والنظر في إمكانية تطبيق ما يتوافق منها مع الأولويات والإمكانات المتاحة. فكثير من المبادرات الناجحة بدأت بفكرة، ثم أصبحت مشروعاً، ثم تحولت إلى سياسة أحدثت أثراً مستداماً. كما أن استمرار الوزارة في الانفتاح على المقترحات البناءة، والتفاعل معها، سيعزز مسيرة التطوير، ويرتقي بجودة التعليم ومخرجاته، ويسهم في تحقيق مستهدفات رؤية المملكة 2030 .
حفظ الله بلادنا المملكة العربية السعودية، قيادةً وشعباً، وأدام عليها الأمن والاستقرار والرخاء، ووفق الله كل من يعمل بإخلاص لخدمة التعليم وبناء الإنسان.