أوس أبو عطا
استكمالاً لما بدأت به في البحث السابق (لماذا سميت قريش بهذا الاسم؟) الذي نشرته جريدة الجزيرة السعودية مشكورة. سأحاول أيضاً الحديث عن عائلات مكّة الموسرة، مع التطرّق لجوانب من مظاهر الثراء والدعة في المجتمع القرشي قبل الإسلام.
إذا بدأنا بالحديث عن البيوت الثرية فلا بد من الإشارة إلى أنه عُرِف بمكة قبل الإسلام بيتان بالثراء: بيت الأمويين وبيت المخزومين.
يروي صاحب الأغاني أبو الفرج الأصفهاني، أنّ عبد الله بن أبي ربيعة الملقب بـ (العِدل) وهو والد الشّاعر عمر بن أبي ربيعة، كان له الكثير من عبيد الحبشة، يعملون في مهن كثيرة ومتعددة، حيث عرض على الرسول الكريم أن يستخدمهم، ويستعين بهم، حين خرج إلى حنين، إلا أن الرسول لم يقبل هذا العرض السخي منه.
وكان العِدل تاجراً موسراً «مليونيراً» كما نسميه اليوم، كريم النفس، تتركز تجارته في اليمن.
وكانت قريش تلقبه (العِدل) لأنها كانت تكسو الكعبة في الجاهلية بأجمعها من أموالها سنة، ويكسوها هو من ماله سنة، فأرادوا أنه وحده عِدل لهم جميعاً، وكان اسمه بحيرة، فلما أسلم عام الفتح سماه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عبدالله.
وكان العرب يرددون في أوصاف المخزوميين والأمويين كلمة السيادة، وهي تعني في مكة الثراء العريض.
يروي الزمخشري في الكشاف، أنه نزلت في الوليد بن المغيرة وهو واحد من سادة قريش وأغنى أغنيائها، الآيات الكريمة ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا ? وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا ? وَبَنِينَ شُهُودًا ? وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا ? ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ ? كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا .
أما الأمويين فكانوا أيضاً بيت ثراء وترف، وقد ترأس أبو سفيان قافلة بدر لأن معظمها كان للأمويين، ويقال إنّ الأرباح بلغت فيها 25 ألف دينار وقد تنازل عنها أصحابها لحرب النبي الكريم، وفي هذا التنازل ما يدل على أن أصحاب هذه القافلة من ذوي الألوف المؤلفة.وفي سيرة ابن هشام، قد دفع المخزوميون للرسول الكريم في فداء بعض أسراهم أربعة آلاف درهم، وافتدوا رفات قتيل يوم الخندق بعشرة آلاف درهم.
مع العلم أن هذا الثراء لم يكن خاصاً بالمخزوميين والأمويين، فنحن نجد من قبيلة أبي بكر الصديق المليونير القرشي عبدالله بن جُدعان وكان يتجر في الرقيق، وقد شبهه بعض الشعراء بقيصر، كما يروي البكري الأندلسي في كتابه (معجم ما استعجم):
يوم ابن جدعان بجنب الحزوره
كأنه قيصر أو ذو الدسكره
والحزورة وتعني الرابية باللغة، موضع يلي البيت الحرام كانت به سوق مكة.
ومن أشهر الأثرياء حينئذ أسرة سعيد بن العاص وكان لها في قافلة بدر ثلاثون ألف دينار ثمن بضاعته وكان والده إذا لبس عمامته، لا أحد يرتدي العمامة في مكة تكريماً وإعظاماً له، لأنه سيّد من سادات قريش وكان يلقّب بذي التّاج.
ومن أثرياء بني هاشم المعدودين العباس بن عبد المطلب، وقد افتدى نفسه يوم بدر وابني أخيه عقيل بن أبي طالب ونوفل بن الحارث بمائة وأربعين أوقية.
كما روى اليعقوبي في تاريخه أن عبد المطلب دُفن في حُلّتين قيمتهما ألف مثقال من ذهب.
ويذكر الجاحظ في (المحاسن والأضداد) أن هنداً بنت عبد المطلب عمّة الرسول الكريم، أعتقت في يوم واحد أربعين رجلاً من عبيدها. ولعل هذه الرواية تدلل على أمرين، أن الثراء لم يكن محصوراً في الرجال فقط في مكة، بل كان للنساء منه نصيب وافر، حيث تروي المصادر التاريخية أيضاً، أن هند زوجة أبي سفيان كانت تتجر في قبيلة كلب بالشام، والثاني أن العبيد كانوا متواجدين بكثرة على أرض مكة.
كما لابد من الإشارة إلى أن الترف بلغ حداً واسعاً لدى أشراف قريش في الجاهلية، حيث إنهم كانوا يصيِّفون في الطائف ويشتّون في جدة. كما كان لأبي سفيان ضيعة في الشام ينزل بها حين تجارته.
ويرى الدكتور شوقي ضيف في كتابه (الشعر والغناء في المدينة ومكة)، أن أهمية مكة التجارية والاقتصادية في العصر الجاهلي هي التي دفعت أبرهة والي الحبشة على اليمن لغزوها 670 أو 671 للميلاد؛ ابتغاء الاستيلاء على ما فيها من ثروة.
وفي اتجاه آخر، نجد أنه كان في قريش فروق طبقية كبيرة، بين عائلات ثرية وموسرة، وعائلات أخرى فقيرة شحيحة، الأمر الذي أدى لظهور حركة الصعاليك التي كانت تسعى لتحقيق نوع من العدالة الاجتماعية. من جلي القول، أنه كان لمكة دور سياسي واقتصادي وتجاري ومالي مؤثّر في تلك الحقبة الزمنية، الأمر الذي كان ظاهراً في حياة البذخ والدّعة التي كان يحياها أبناء العائلات الموسرة، وفي تأثير مكة على محيطها البدوي وقيادتها له.
وخير ما نختم به هو قول الجاحظ في كتابه الشهير (الحيوان): «إذا قالوا سيد قريش فقد قالوا سيد العرب».