د. سالم بن محمد آل جفشر
لم تعد الجامعة الحديثة مجرد مؤسسة تعليمية تعتمد على ميزانيتها السنوية وتكتفي بتخريج الطلاب بل أصبحت كيانًا معرفيًا وتنمويًا قادرًا على صناعة الأثر وبناء الموارد غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن دائمًا في قلة الإمكانات بل في قدرة الجامعة على اكتشاف ما تملكه من عقول وخبرات وبحوث ومرافق وسمعة وشراكات، ثم تحويلها إلى قيمة مؤثرة ومستدامة فالجامعة التي تعرف كنوزها لا تنتظر الدعم فقط بل تصنع الفرص وتبني حضورها وتنافس بقوة.
ومن منظور أكاديمي وإعلامي لم يعد الاستثمار الجامعي خيارًا إداريًا بل ضرورة استراتيجية خاصة للجامعات الناشئة التي تسعى إلى بناء مكانتها العلمية والمالية والاتصالية في وقت واحد، فالاستثمار لا يعني أن تتخلى الجامعة عن رسالتها التعليمية أو أن تتحول إلى كيان تجاري بحت بل يعني أن تدير مواردها بوعي، وأن تحول المعرفة إلى قيمة والبحث العلمي إلى منتج والخبرة الأكاديمية إلى خدمة والسمعة المؤسسية إلى أصل مؤثر في بناء الثقة والشراكات.
ومن واقع العمل والمشاركة في عدد من اللجان والهيئات داخل المملكة وخارجها يتضح أن المملكة اليوم تعيش مرحلة مختلفة تمامًا عما كانت عليه قبل عشر سنوات، فقد أصبحت مركزًا مهمًا للأعمال والاستثمار وتمضي بقوة في مسارات اقتصادية وسياحية وترفيهية وتنموية واسعة. وهذا التحول الكبير يفرض على الجامعات أن تفكر بعقل جديد وأن تكون جزءًا من حركة التنمية لا أن تبقى على هامشها فالجامعة تمتلك المعرفة والكفاءات والشباب والبحث العلمي والقدرة على صناعة المبادرات وهذه عناصر لا ينبغي أن تبقى داخل الأسوار الأكاديمية فقط.
فالجامعة اليوم لا تنافس ببرامجها الأكاديمية وحدها بل تنافس أيضًا بصورتها الذهنية وحضورها الإعلامي وجودة علاقاتها وقدرتها على بناء الثقة مع المجتمع والقطاعين العام والخاص؛ لذلك أصبح الإعلام الجامعي أداة استراتيجية لا تقتصر على نشر الأخبار أو تغطية المناسبات بل تمتد إلى صناعة السمعة وتسويق المعرفة، وإبراز قصص النجاح وتحويل المنجزات الأكاديمية والبحثية إلى قيمة مرئية ومؤثرة.
وتبرز هنا أهمية العلاقات العامة وإدارة الفعاليات والهوية المؤسسية في دعم الاستثمار الجامعي، فالمؤتمرات والمعارض والملتقيات العلمية وحفلات التخرج والفعاليات الوطنية والمجتمعية ليست مناسبات عابرة بل منصات لبناء الشراكات واستقطاب الرعايات وتعزيز الصورة الذهنية وفتح قنوات جديدة مع المستثمرين والخريجين والمانحين، وكل فعالية ناجحة يمكن أن تتحول إلى فرصة رعاية أو اتفاقية تعاون أو مشروع تدريبي أو مبادرة بحثية متى ما أُديرت باحتراف وربطت بأهداف الجامعة.
والمشكلة أن بعض الجامعات حتى الآن لا تعرف كيف تستثمر إمكاناتها ولا كيف تجلب الرعايات لمناسباتها ولا كيف تحول الكيان الجامعي إلى قيمة جاذبة للشركاء؛ فالقضية ليست دائمًا في غياب الموارد بل في غياب العقل الاستثماري القادر على قراءة ما تملكه الجامعة وتسويقه بطريقة مهنية، فكثير من الجامعات تقدم فعالياتها للقطاع الخاص باعتبارها طلب دعم بينما يفترض أن تقدمها كفرصة شراكة ذات عائد وظهور وتأثير، فالرعاية لا تُطلب فقط بل تُصمم من خلال حزم واضحة وحقوق معلنة ومزايا إعلامية ومساحات للظهور وفرص للتواصل ومؤشرات تقيس أثر المشاركة على الشريك والجامعة معًا.
إن استثمار الكيان الجامعي يبدأ من فهم أن الجامعة تمتلك جمهورًا مؤثرًا وسمعة علمية ومكانة اجتماعية وخبراء وطلابًا وخريجين ومنصات إعلامية ومرافق وفعاليات ومحتوى معرفيًا، وهذه العناصر يمكن أن تتحول إلى منظومة استثمارية متكاملة إذا أُديرت باحتراف فالجامعة التي تعرف جمهورها وتقيس أثر منصاتها وتبني ملفًا احترافيًا للرعايات وتعرض فرصها بلغة الأرقام والقيمة ستكون أكثر قدرة على جذب الشركاء من جامعة تكتفي بخطابات عامة لا تشرح العائد ولا توضح فرصة الشراكة.
ولا يتوقف الاستثمار الجامعي عند الفعاليات والرعايات، بل يمتد إلى البرامج المهنية المدفوعة والدبلومات التنفيذية والشهادات القصيرة المرتبطة بسوق العمل مثل الإعلام الرقمي والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني والإدارة والصحة، كما يمتد إلى تحويل البحث العلمي إلى حلول تطبيقية وبراءات اختراع وشركات ناشئة ومشاريع ابتكارية فالجامعة القوية ليست التي تنتج الأبحاث فقط، بل التي تنقل المعرفة إلى الواقع وتجعل الباحث والطالب وعضو هيئة التدريس جزءًا من اقتصاد المعرفة.
ومن هنا، فإنني أوجه نداء إلى معالي وزير التعليم بأهمية تبني ورش عمل متخصصة لرؤساء الجامعات وقياداتها التنفيذية حول الاستثمار الجامعي وتنمية الموارد الذاتية بحيث لا تبقى الجامعات معتمدة بصورة كاملة على ميزانية الدولة، بل تتحول إلى كيانات قادرة على توليد عوائد مالية مستدامة من خلال المؤتمرات والمعارض وحفلات التخرج والبرامج المهنية والاستشارات والأوقاف واستثمار الهوية والمرافق والسمعة.
وأرى أن تحقيق عوائد مالية كبيرة قد تصل في بعض الجامعات المؤهلة إلى مئة مليون ريال سنويًا أو تتجاوزها ليس أمرًا مستحيلًا إذا وجدت الحوكمة والرؤية والفرق المتخصصة ويمكن تصنيف الجامعات إلى ثلاثة مستويات بحسب موقعها الجغرافي وفرصها الاقتصادية وهي جامعات في مدن كبرى ذات فرص عالية للرعايات والشراكات وجامعات في مناطق واعدة تمتلك ميزات سياحية أو زراعية أو صناعية وجامعات ناشئة تحتاج إلى نموذج استثماري متدرج يبدأ من الفعاليات والبرامج المهنية وبيوت الخبرة.
إن مستقبل الجامعات لن يكون لمن يملك المباني الأكبر بل لمن يملك النموذج الأذكى والسمعة الأقوى والعلاقات الأوسع والقدرة على تحويل المعرفة إلى أثر مستدام والجامعة التي تستثمر إعلامها وفعالياتها وعلاقاتها العامة، لا تبحث عن حضور عابر بل تبني قيمة طويلة المدى فالمملكة تغيرت كثيرًا، والفرص أصبحت أوسع والجامعات مطالبة بأن تواكب هذا التحول بعقل استثماري واع، والقادم أجمل متى ما أحسنت الجامعات قراءة الفرص وتحويلها إلى أثر.
** **
- أستاذ الإعلام والاتصال بجامعة جازان