د. غالب محمد طه
في مقال سابق بعنوان «هندسة الفراغ المعرفي»، كان السؤال المطروح: كيف يمكن أن تتراجع المعرفة في المجال العام رغم استمرار إنتاجها؟ وكانت الفكرة الرئيسة أن المشكلة لم تعد في ندرة المعلومات، بل في البيئة التي تتحكم في ظهورها ووصولها وتداولها.
غير أن هذا السؤال يقود إلى سؤال أعمق: لماذا استطاعت بعض الحضارات أن تجعل المعرفة موردًا متجددًا يستمر قرونًا، بينما تعثرت حضارات أخرى رغم ما امتلكته من علماء وموارد؟ يبدو أن الإجابة لا تكمن في الدعوة إلى العلم وحدها، بل في بناء ما يمكن تسميته «البيئة المعرفية»؛ أي المنظومة التي تنتج المعرفة، وتتحقق منها، وتنقلها، وتحفظها، وتمولها، وتجددها.
ومن بين التجارب التاريخية التي تستحق التأمل في هذا السياق، تبرز الحضارة الإسلامية بوصفها نموذجًا لم يكتفِ بتقدير العلم، بل نجح في بناء بيئة جعلت المعرفة جزءًا من بنية المجتمع، لا نشاطًا يقتصر على النخب أو المؤسسات الرسمية.
فالخطاب الإسلامي لم يبدأ بتكديس المعلومات، وإنما بدأ بالأمر بالقراءة، ثم ربط المعرفة بالمسؤولية والقيم. ولم يكن طلب العلم غاية منفصلة عن العمران، بل كان جزءًا من بناء الإنسان والمجتمع. غير أن القيمة الحقيقية لهذا التصور لم تظهر في النصوص وحدها، بل في المؤسسات والآليات التي نشأت حولها.
لم يُترك الإنتاج المعرفي للمبادرات الفردية وحدها، بل ازدهر من خلال حركة التأليف والترجمة والنسخ والشرح والاجتهاد، حتى أصبحت المعرفة مشروعًا تتراكم فيه جهود الأجيال، بدلاً من أن يبدأ كل جيل من نقطة الصفر. ويكفي أن نتأمل حركة الترجمة في بغداد، أو ما شهدته مدن مثل بغداد ودمشق وقرطبة من نشاط علمي، لندرك أن إنتاج المعرفة كان عملاً مؤسسيًا لا جهدًا فرديًا معزولًا.
لكن إنتاج المعرفة وحده لا يكفي إذا غابت الثقة بها. ولهذا نشأت منظومات دقيقة للتحقق، مثل الإسناد، والجرح والتعديل، وأصول الفقه، وغيرها من الأدوات التي لم يكن هدفها مجرد حفظ النصوص، بل ترسيخ ثقافة تقوم على التثبت والتمييز بين الصحيح وغيره. وكانت الرسالة واضحة: ليست كل معلومة معرفة، وليست كل رواية جديرة بالثقة.
ولم تتوقف البيئة المعرفية عند الإنتاج والتحقق، بل اهتمت أيضًا بتداول المعرفة. فتحولت المساجد إلى مراكز للتعليم، وانتشرت حلقات العلم، وازدهرت الرحلات في طلبه، ونشأ نظام الإجازة العلمية الذي ربط انتقال المعرفة بالثقة والكفاءة. وكان الطالب قد يقطع مئات أو آلاف الكيلومترات لسماع حديث أو تلقي علم من مصدره، ثم يحصل على إجازة تخوله نقل ما تعلمه. وهكذا لم تكن المعرفة حبيسة المكتبات، بل كانت تتحرك مع العلماء والطلاب، وتتوسع مع المجتمع.
كما أدركت تلك الحضارة أن المعرفة لا تستمر إذا بقي تمويلها رهينًا لتقلبات السياسة أو السوق. ومن هنا برز نظام الوقف بوصفه أحد أكثر الابتكارات المؤسسية أثرًا في التاريخ الإسلامي. فقد موّل المدارس والمكتبات ونسخ الكتب ورواتب العلماء، وأسهم في توفير قدر من الاستقلال والاستدامة للنشاط المعرفي. وفي المقابل، نجد اليوم أن تمويل المعرفة الجادة أصبح خاضعًا لمنطق الإعلانات أو التبرعات غير المستقرة، مما يجعل استمرارها مرهونًا بعوامل لا تمت إلى جودتها بصلة.
ولأن المعرفة معرضة دائمًا للضياع أو الانقطاع، نشأت كذلك وسائل لحفظها، سواء عبر التدوين، أو الإجازات العلمية، أو العناية بالمخطوطات، أو بناء المكتبات. ولم يكن المقصود حفظ النصوص فحسب، بل حفظ سلسلة انتقال المعرفة نفسها، بما يضمن استمرارها عبر الأجيال.
ومع ذلك، لم تكن هذه البيئة المعرفية جامدة. فقد عرفت الحضارة الإسلامية الاجتهاد، والمناظرات، والمراجعات العلمية، والنقد، وهي ممارسات حافظت على حيوية المعرفة زمناً طويلًا، وإن شهد التاريخ الإسلامي في مراحل لاحقة فترات من الجمود والتراجع، شأنه شأن سائر التجارب الحضارية. وهذه الإشارة ضرورية، لأن قيمة التجربة لا تكمن في مثاليتها، بل في قدرتها على بناء منظومة معرفية استمرت قرونًا وأسهمت في إنتاج المعرفة الإنسانية.
واللافت أن هذه المؤسسات لم تنشأ كتصور نظري مجرد، بل جاءت استجابة لتحديات عملية. فالحاجة إلى حفظ القرآن دفعت إلى تطوير علوم الضبط والقراءات، والحاجة إلى التثبت من السنة أفرزت علوم الحديث، والحاجة إلى استنباط الأحكام أسهمت في نشوء أصول الفقه، والحاجة إلى استمرار التعليم أوجدت الوقف، والحاجة إلى نشر المعرفة أفرزت الرحلة في طلب العلم والإجازات وحلقات التعليم. أي أن البيئة المعرفية لم تكن بناءً مثاليًا منفصلًا عن الواقع، بل استجابة عملية لمشكلاته.
وهنا يمكننا أن نتوقف للحظة عند الفارق بين نموذجين: في الحضارة الإسلامية، كان الإسناد هو بوابة الثقة، والوقف هو ضمان الاستدامة، والرحلة العلمية هي وسيلة التعمق. أما في الفضاء الرقمي اليوم، فتحل الخوارزميات محل الإسناد في تحديد ما يصل إلينا، ويحل اقتصاد الانتباه محل الوقف في تمويل المحتوى، ويحل التصفح السريع محل الرحلة العلمية في علاقتنا بالمعرفة. هذه المقارنة لا تعني أن الماضي كان مثاليًا، لكنها تبرز حجم التحول في البيئة التي تحكم حضور المعرفة في حياتنا.
وأعتقد أن هذا الدرس هو ما نحتاج إلى استحضاره اليوم أكثر من أي وقت مضى. فالعالم الرقمي ينتج كميات غير مسبوقة من المعلومات، لكنه يواجه في الوقت نفسه تحديات تتعلق بالتحقق، والثقة، والاستدامة، والوصول. وفي كثير من الأحيان أصبحت الخوارزميات تؤثر في ما نراه أكثر مما تؤثر جودة المعرفة نفسها، وأصبح التفاعل السريع ينافس التثبت، كما ينافس اقتصاد الانتباه فكرة الاستثمار طويل المدى في المعرفة.
وليس المقصود أن تقدم التجربة الإسلامية وصفة جاهزة لعصر الذكاء الاصطناعي، فلكل عصر تحدياته وأدواته. لكن المبادئ التي قامت عليها تلك التجربة ما تزال جديرة بالتأمل؛ لأن الحضارات لا تُقاس بما تنتجه من معرفة فحسب، بل بقدرتها على بناء البيئة التي تحمي هذه المعرفة، وتنقلها، وتجددها، وتجعلها موردًا عامًا لا امتيازًا عابرًا.
وإذا كانت «هندسة الفراغ المعرفي» قد حاولت تفسير الكيفية التي يمكن أن تتراجع بها المعرفة في العصر الرقمي، فإن بناء البيئة المعرفية يظل الوجه الآخر للقضية؛ فهو لا يكتفي بتشخيص الخلل، بل يذكرنا بأن المجتمعات التي تريد حماية وعيها لا تكتفي بإنتاج المعرفة، وإنما تبني البيئة التي تضمن لها أن تبقى حاضرة ومؤثرة عبر الزمن. ولعل هذا هو السؤال الذي يستحق أن يشغلنا اليوم: إذا كانت المعرفة هي أساس كل مشروع حضاري، فهل يكفي أن نستثمر في إنتاجها، أم أن التحدي الحقيقي يبدأ من بناء البيئة التي تجعلها قابلة للحياة والاستمرار؟