صبحي شبانة
بعض البيانات لا تُقرأ بوصفها ردًا على تصريح عابر، بل بوصفها قراءة مكثفة للحظة سياسية كاملة، ورسالة موجهة إلى أكثر من طرف في توقيت بالغ الحساسية، وهذا ما يمكن استخلاصه من البيان الصادر عن قيادة القوات المشتركة لتحالف دعم الشرعية في اليمن، الذي تجاوز حدود الرد على التصريحات الحوثية الأخيرة، ليضعها في سياقها السياسي والأمني الحقيقي، فالبيان لم يتعامل مع تلك التصريحات باعتبارها حدثًا منفصلًا أو مجرد تصعيد إعلامي، وإنما بوصفها امتدادًا لنهج دأبت عليه جماعة الحوثي منذ انقلابها على الدولة اليمنية، نهج يقوم على الهروب من أزمات الداخل عبر افتعال التوتر في الخارج، وعلى محاولة تصدير أزماتها السياسية والاقتصادية والعسكرية إلى محيطها الإقليمي كلما ضاقت أمامها الخيارات داخل اليمن، ومن يقرأ مسار الجماعة خلال السنوات الماضية، يدرك أن التصعيد بالنسبة إليها لم يكن استثناءً فرضته الظروف، بل أصبح وسيلة لإدارة أزماتها، وإعادة إنتاج حضورها السياسي والعسكري كلما واجهت تراجعًا في الداخل أو ضغوطًا على المستوى الإقليمي والدولي.
وفي المقابل، حمل البيان السعودي رسائل تتجاوز حدود اللحظة الراهنة، فهو لم يكتفِ برفض التهديدات، بل رسم بوضوح معادلة ثابتة في السياسة السعودية؛ مفادها أن أمن المملكة وسيادتها ليسا محل مساومة، ولا يمكن أن يتحولا إلى ورقة ضغط أو أداة ابتزاز في حسابات أي طرف، كما أكد أن المملكة التي جعلت من التهدئة والحلول السياسية خيارًا استراتيجيًا خلال السنوات الأخيرة لا تخلط بين الحرص على السلام وبين التهاون في حماية أمنها الوطني، فالسلام بالنسبة للرياض خيار قوة، وليس نتيجة عجز، والانفتاح على التسويات لا يعني التغاضي عن أي تهديد يمس سيادة الدولة أو سلامة مواطنيها أو أمن المنطقة ومن هنا جاء البيان ليؤكد أن أي اعتداء أو محاولة للمساس بأمن المملكة سيُواجَه بالحزم الذي تفرضه مسؤولية الدولة، وفي إطار ما يكفله القانون الدولي الإنساني، وبما يحفظ أمن المملكة واستقرار المنطقة في آن واحد
فمنذ انقلاب الحوثيين على الدولة اليمنية عام 2014، لم يكن مشروع الجماعة مشروعًا لبناء دولة، وإنما مشروعًا ميليشياويًا قائمًا على فرض السيطرة بالقوة، وإدامة الصراع، وربط القرار اليمني بأجندات خارجية. وقد أدى هذا النهج إلى انهيار مؤسسات الدولة اليمنية، وتفاقم الأزمة الإنسانية، وتراجع الاقتصاد، واتساع رقعة الفقر، بينما ظل المواطن اليمني هو الخاسر الأكبر.
وعندما تتعثر ميليشيا الحوثيين داخليًا، يصبح التصعيد الخارجي وسيلتها التقليدية للهروب من المساءلة. لذلك لا تبدو التهديدات الأخيرة للمملكة حدثًا منفصلًا، بل حلقة جديدة في سلسلة طويلة من محاولات صناعة أزمة خارجية لتغطية أزمات الداخل، وهو ما أشار إليه بيان التحالف بوضوح عندما وصف تصريحات الحوثيين بأنها محاولة لصرف الأنظار عن الانتهاكات الجسيمة بحق الشعب اليمني، وتصدير المشكلات التي صنعتها الجماعة بنفسها.
وعلى امتداد السنوات الماضية، سجل الحوثيون عشرات الاعتداءات والاستفزازات التي استهدفت المملكة بصورة مباشرة. فقد تعرضت المدن السعودية والمنشآت المدنية والحيوية لسلسلة من الهجمات بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، واستهدفت مطارات مدنية مثل أبها وجازان ونجران، كما تعرضت محطات لتحلية المياه ومنشآت للطاقة ومرافق اقتصادية لمحاولات استهداف متكررة، في انتهاك واضح للقانون الدولي واستهداف مباشر للمدنيين والبنية التحتية. في وقت كانت المملكة تعلن فيه دعمها المستمر لكل المبادرات السياسية الرامية إلى إنهاء الأزمة اليمنية. ولم تتوقف الاعتداءات عند الحدود السعودية، بل امتدت إلى الملاحة الدولية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، حيث نفذت الجماعة عمليات استهدفت سفنًا تجارية وناقلات بحرية، بما أدى إلى اضطراب أحد أهم الممرات البحرية في العالم، ورفع كلفة النقل والتأمين، وإثارة مخاوف دولية واسعة بشأن أمن التجارة العالمية.
واللافت أن هذه الاعتداءات غالبًا ما تتزامن مع لحظات تشهد فيها الجماعة ضغوطًا سياسية أو اقتصادية أو تراجعًا في شعبيتها داخل المناطق الخاضعة لسيطرتها، الأمر الذي يعزز القراءة القائلة إن التصعيد الخارجي أصبح أداة لإعادة تعبئة الداخل، وإشغال الرأي العام عن الأزمات المتفاقمة.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: لماذا اختارت جماعة الحوثي هذا التوقيت تحديدًا لإطلاق هذه التصريحات الاستفزازية ضد المملكة؟
الإجابة لا تنفصل عن جملة من المتغيرات التي تشهدها المنطقة.
فمن ناحية، تواجه الجماعة ضغوطًا داخلية متزايدة نتيجة التدهور الاقتصادي واتساع حالة السخط الشعبي في المناطق الخاضعة لسيطرتها، في ظل عجزها عن تقديم أي حلول حقيقية لمعاناة اليمنيين. ومن ناحية أخرى، تشهد المنطقة حراكًا سياسيًا وأمنيًا متسارعًا لإعادة ترتيب ملفاتها في ضوء التطورات الإقليمية، والتوترات التي شهدها البحر الأحمر، والتفاهمات التي بدأت ترسم ملامح مرحلة أكثر ميلًا إلى الاستقرار. وفي مثل هذه الظروف، تدرك الجماعة أن استمرار حالة الهدوء والسلام لا يخدم مشروعها القائم على التعبئة العسكرية، لذلك تلجأ إلى رفع سقف الخطاب العدائي ومحاولة استدراج المملكة إلى مربع التصعيد، أملاً في إعادة خلط الأوراق وإظهار نفسها لاعبًا لا يمكن تجاوزه في أي ترتيبات مستقبلية.
كما لا يمكن فصل هذه التصريحات عن محاولة الحوثيين توجيه رسائل إلى داعميهم الإقليميين بأنهم ما زالوا يمتلكون القدرة على التأثير في معادلات الأمن الإقليمي، وأنهم قادرون على تهديد المصالح السعودية وخطوط الملاحة متى أرادوا. غير أن هذه الرسائل تبدو أقرب إلى محاولة لتعويض التراجع السياسي الذي تعيشه الجماعة، خاصة بعد أن أصبحت غالبية المبادرات الدولية تركز على ضرورة حماية أمن البحر الأحمر، وضمان حرية الملاحة، وإعادة إحياء مسار التسوية السياسية في اليمن، وهي أهداف لا تنسجم مع استراتيجية الجماعة القائمة على إبقاء الصراع مفتوحًا.
في المقابل، اتخذت المملكة منذ سنوات مسارًا مختلفًا يقوم على البحث عن حل سياسي شامل للأزمة اليمنية. فقد دعمت الهدن الإنسانية، وساندت جهود الأمم المتحدة، وقدمت مبادرات متكررة لوقف إطلاق النار، وشاركت في إعداد خريطة طريق لإنهاء الأزمة بين اليمنيين، كما استمرت في تقديم المساعدات الإنسانية والإغاثية للشعب اليمني عبر برامج ومبادرات تنموية واسعة. ولم تقتصر الجهود السعودية على الجانب الإنساني، بل امتدت إلى دعم الاستقرار الاقتصادي في اليمن، وتمويل مشروعات تنموية، وتقديم مساعدات للقطاع الصحي والكهرباء والتعليم والبنية التحتية، إدراكًا منها أن استقرار اليمن يمثل مصلحة استراتيجية للمنطقة بأسرها.
غير أن الجماعة الحوثية، وفق ما أكدته قيادة التحالف، اختارت رفض تلك المبادرات، وواصلت التصعيد العسكري، واستهدفت الملاحة البحرية، وأبقت اليمن رهينة لحالة الصراع المستمر، الأمر الذي فاقم معاناة اليمنيين بدلًا من التخفيف عنها.
إن قراءة السلوك الحوثي خلال السنوات الماضية تكشف نمطًا ثابتًا؛ فكلما اقتربت فرص التسوية السياسية ارتفع مستوى الخطاب العدائي، وتزايدت التهديدات، وتكررت محاولات الاستفزاز العسكري والإعلامي. وهذا النمط لا يعكس ثقة بالنفس بقدر ما يعكس خشية من أي مسار سياسي قد يفرض على الجماعة التخلي عن منطق السلاح والهيمنة.
كما أن استمرار هذه الاستفزازات لا يستهدف المملكة وحدها، وإنما يمس الأمن الإقليمي بأكمله، لأن استقرار الخليج والبحر الأحمر وباب المندب يمثل ركيزة أساسية لاستقرار الاقتصاد العالمي، وأي تهديد لهذه المناطق ينعكس مباشرة على حركة التجارة الدولية وأسواق الطاقة وسلاسل الإمداد.
وفي هذا السياق تبدو الرسالة السعودية واضحة؛ فالمملكة لا تسعى إلى التصعيد، لكنها في الوقت نفسه لا تقبل المساس بأمنها الوطني أو بسيادة أراضيها أو سلامة مواطنيها. وقد أثبتت التجارب السابقة أن الرياض تجمع بين الصبر السياسي، والقدرة العسكرية، والالتزام بالقانون الدولي، وهو ما يمنح مواقفها قدرًا كبيرًا من المصداقية على الساحة الدولية.
ومن المهم أيضًا إدراك أن المجتمع الدولي بات أكثر وعيًا بطبيعة هذه التهديدات، خاصة بعد الهجمات التي استهدفت الملاحة الدولية، إذ لم تعد القضية مرتبطة بخلاف إقليمي محدود، وإنما أصبحت تمس أمن التجارة العالمية واستقرار الاقتصاد الدولي، وهو ما يفسر اتساع دائرة الإدانات الدولية للهجمات الحوثية على السفن والمنشآت المدنية خلال الأعوام الأخيرة.
واللافت أن هذه التصريحات جاءت في وقت تبذل فيه المملكة جهودًا متواصلة لترسيخ معادلة الاستقرار الإقليمي، سواء من خلال دعم مسارات التسوية السياسية، أو الإسهام في حماية أمن الملاحة الدولية، أو تعزيز التعاون مع شركائها الإقليميين والدوليين لمواجهة التحديات المشتركة. ومن ثم فإن أي محاولة لاستفزاز المملكة لا تستهدف أمنها الوطني فحسب، بل تمثل أيضًا محاولة لعرقلة الجهود الرامية إلى ترسيخ الاستقرار في المنطقة وإعادة فتح آفاق الحلول السياسية، وهو ما يفسر الحزم والوضوح اللذين اتسم بهما بيان قيادة القوات المشتركة.
إن بيان قيادة القوات المشتركة لم يكن إعلانًا عن رغبة في التصعيد، وإنما رسالة ردع واضحة تؤكد أن أمن المملكة خط أحمر، وأن حماية السيادة الوطنية مسؤولية لا تقبل التهاون، وأن محاولات الابتزاز الإعلامي أو العسكري لن تغيّر من الحقائق على الأرض، ولن تمنح الجماعة مخرجًا من أزماتها الداخلية.
ويبقى الحل الحقيقي للأزمة اليمنية مرهونًا بعودة الدولة ومؤسساتها، وانخراط جميع الأطراف في عملية سياسية جادة تضع مصلحة اليمن فوق أي اعتبارات أخرى، بعيدًا عن مشاريع الهيمنة والتدخلات الخارجية. أما سياسة التهديد والاستفزاز وتصدير الأزمات، فقد أثبتت خلال أكثر من عقد أنها لم تحقق لليمن سوى مزيد من الدمار، ولم تجلب للمنطقة إلا مزيدًا من عدم الاستقرار.
وفي ظل هذه المعطيات، تبدو الرسالة التي حملها بيان التحالف حاسمة؛ فالمملكة ستظل تمد يدها للسلام متى توافرت إرادة حقيقية له، لكنها في الوقت ذاته تمتلك القدرة والإرادة لحماية أمنها والدفاع عن سيادتها، وأن أي اعتداء أو تهديد لن يمر دون رد يحفظ أمن المملكة، ويصون استقرار المنطقة، ويؤكد أن سياسة الاستفزاز لن تكون بديلًا عن الحلول السياسية التي يستحقها الشعب اليمني.