د. ياسين علي محمد عزي
حين يصوغ الكاتب السعودي المعروف عبداللطيف بن عبدالله آل الشيخ فكرةً عميقة في عبارة خاطفة: «البقاء للأكثر قدرة على التجمّل»، فإن العبارة لا تمر بوصفها تركيبًا لغويًا لافتًا فحسب، بل تستدعي تأملًا أوسع في تلك العلاقة الدقيقة بين ما يظهر للعين، وما يستقر في جوهر الأشياء.
ولعل ما منح هذه الفكرة مزيدًا من العمق أن الصورة جعلت من الإبل قلب المشهد، لا بوصفها كائنًا صحراويًا فحسب، بل باعتبارها رمزًا سعوديًا راسخ الحضور في الوعي الجمعي. فالإبل في المملكة العربية السعودية لم تكن يومًا مجرد جزء من ذاكرة البادية، بل حضورًا ممتدًا في سردية المكان، ارتبط بمراحل التأسيس، وبمعاني الصبر والقوة والامتداد، حتى غدت جزءًا من الذاكرة الثقافية التي ترى المملكة نفسها فيها. ولم يكن إعلان المملكة عام 2024 عامًا للإبل إلا تعبيرًا واضحًا عن هذا الإدراك العميق لقيمة الرمز حين يصبح جزءًا من هوية وطن بأكمله.
لكن الرموز الكبرى لا تُقاس فقط بما تمثله في الذاكرة، بل بما تكشفه حين تتحول إلى فكرة. وهنا تحديدًا تتجاوز كلمة «التجمّل» حدود الصورة، لتصبح تأملًا أوسع في الإنسان ذاته؛ في تلك اللحظة التي يبدأ فيها المظهر بمزاحمة الجوهر، وتصبح الهيئة قادرة على فرض حضورها قبل الحقيقة.
ولذلك لا يتعلق الأمر هنا بالشكل وحده، بل بالسؤال القديم المتجدد: كيف تتكوّن القيمة أصلًا؟ وما الذي يجعل شيئًا ما مستحقًا للتقدير؟ وهل يكفي أن ينجح الشيء في لفت النظر حتى يصبح جديرًا بالمعنى؟ إنها الأسئلة ذاتها التي ترافق الإنسان دائمًا، حيث يغدو كثير من الأشياء قابلًا للقياس بما يلمع منها، لا بما يستقر في عمقها.
وحين تتمدد ثقافة التجمّل في الحياة، فإنها لا تظهر دائمًا في صورتها المباشرة. هناك من ينشغل بصناعة الانطباع أكثر من بناء الحقيقة، ومن يضخم حضوره أكثر مما يعمق أثره، ومن يعتني بالواجهة باعتبارها مشروعه الحقيقي. تتغير الصور، لكن الجوهر يظل واحدًا: أن يصبح الظهور هدفًا مستقلًا، لا نتيجة طبيعية لقيمة حقيقية.
هنا تتبدّى دقة اللفظة العربية نفسها: «تجمّل». فالجمال في معناه العميق لا يولد من سطح الأشياء، ولا من نظرة عابرة تمنح حكمها سريعًا، بل من ذلك الانسجام الخفي بين الحقيقة وصورتها، بين الداخل وما ينعكس عنه في الخارج. فالجميل ليس ما يلفت النظر فقط، بل ما يظل محتفظًا بمعناه بعد أن يهدأ أثر النظرة الأولى. أما التجمّل، حين ينفصل عن هذا المعنى، فإنه يتحول من عناية طبيعية بالهيئة إلى محاولة لصناعة أثر أكبر من حقيقته.
ولهذا لا تكمن القضية في العناية بالمظهر، فذلك جزء من الذوق الإنساني والفطرة، وإنما تبدأ المسافة المقلقة حين يتحول المظهر إلى بديل عن القيمة نفسها، وحين تصبح الصورة مشروعًا مستقلًا عن الحقيقة. عندها لا يعود الإنسان منشغلًا بسؤال: من أنا؟ بقدر انشغاله بسؤال آخر أكثر إرباكًا: كيف أبدو؟
وحين تستقر هذه الفكرة في الوعي الجمعي، فإن الخلل لا يصيب الأفراد وحدهم، بل يمتد إلى المعايير ذاتها. إذ لا يعود التقدير مرهونًا بعمق التجربة، ولا بصدق الأثر، ولا باستحقاق حقيقي، بل بمهارة تقديم الذات. وفي اللحظة التي تتقدم فيها الصورة على الحقيقة، يبدأ المعيار نفسه في فقدان معناه.
ومن هنا تبدو الإبل، بكل ما تمثله في الوجدان السعودي من أصالة وارتباط عميق بالأرض، أكثر من مجرد حضور رمزي داخل الصورة. إنها تذكير ضمني بسؤال بالغ الحساسية: هل تكمن قيمة الأشياء في صورتها التي نراها، أم في المعنى الذي منحها مكانتها أصلًا؟ وهل يكفي أن نحافظ على الشكل، إذا كنا نفقد الجوهر الذي صنع قيمة هذا الشكل منذ البداية؟
إن ما يثير التأمل حقًا ليس الصورة ذاتها، ولا العبارة التي رافقتها، بل ذلك التحول الهادئ الذي يجعل الإنسان يقتنع تدريجيًا بأن الطريق الأقصر إلى الاعتراف ليس أن يكون أعمق، بل أن يبدو أكثر اكتمالًا في أعين الآخرين.
وربما تبدأ الخسارة الحقيقية في اللحظة التي ينشغل فيها الإنسان بصناعة صورته أكثر من صناعة ذاته. فالإفراط في مطاردة الصورة لا يضيف إلى الإنسان شيئًا بقدر ما يحجب عنه شيئًا خفيًا قد لا يراه سريعًا؛ حتى يصل، دون أن يشعر، إلى حالة يبدو فيها حاضرًا أمام الجميع، بينما يغيب جوهره عن نفسه.
وفي النهاية، لا يبقى حقًا إلا ما كان صادقًا في جوهره. فالأصالة لا تحتاج إلى ضجيج كي تُثبت حضورها، ولا إلى قناع كي تنتزع الاعتراف. يكفيها أن تبقى كما هي؛ فالحقيقة، مهما تأخر حضورها، لا يزاحمها طويلًا ما اكتفى بحسن الظهور وعجز عن أن يكون حقيقيًا.
** **
- أكاديمي وكاتب سعودي