د. عبدالرحمن بن حسين فقيهي
لم يكن الإنسان في أي عصر من العصور أكثر قدرةً على التواصل مما هو عليه اليوم، فالهاتف الذكي في يده، ووسائل التواصل تحيط به من كل جانب، ومئات الأسماء والصور تمر أمامه كل يوم. ومع ذلك، تتزايد الشكوى من الوحدة، ويزداد الشعور بالغربة النفسية، حتى أصبح كثير من الناس محاطين بالمتابعين لكنهم يفتقدون الصديق.
لقد غيّرت التقنية وسائل التواصل، لكنها لم تستطع أن تغيِّر حاجة الإنسان الفطرية إلى الصداقة الصادقة. فالصديق ليس رقماً في قائمة الأسماء، ولا صورة تظهر عند الحاجة، ولا إعجاباً عابراً على منشور؛ بل هو ذلك الإنسان الذي يجدك حين يفتقدك الآخرون، ويذكرك حين ينشغل الناس عنك، ويقف إلى جوارك حين تتغير الظروف وتتبدل الأحوال.
وفي زمن السرعة، أصبحت العلاقات تُبنى أحياناً على المصالح العاجلة والمنافع المؤقتة، فإذا انتهت الحاجة انقطع الود، وإذا تبدلت الظروف تباعدت المسافات. أما الصداقة الحقيقية فتبقى ثابتة أمام تغير الأحوال؛ لأنها تقوم على المحبة والوفاء والصدق، لا على المنفعة العابرة.
وقد كان العرب يعدّون الصديق كنزاً لا يقدّر بثمن، ويقولون: «الصديق وقت الضيق». ولم تكن هذه العبارة مجرد حكمة متداولة، بل وصفاً دقيقاً لمعنى الصداقة؛ إذ تظهر المعادن الحقيقية عند الشدائد، وتنكشف الوجوه عند الأزمات، ويعرف الإنسان حينها من كان قريباً منه حقاً ومن كان قريباً من مصلحته فقط.
إن من مظاهر الخلل في عصرنا أن بعض الناس أصبح يقيس نجاحه بكثرة معارفه، بينما المقياس الحقيقي هو جودة العلاقات لا كثرتها. فقد يمتلك الإنسان مئات الأرقام في هاتفه، لكنه حين يحتاج إلى من يسمعه أو يواسيه أو ينصحه لا يجد إلا القليل. ولذلك فإن الصديق الواحد الصادق قد يساوي عشرات المعارف الذين تجمعهم المناسبات وتفرقهم الأيام.
كما أن المحافظة على الصداقة أصبحت تحتاج إلى جهد مقصود؛ فمشاغل الحياة الحديثة تستنزف الوقت والانتباه، وتدفع الإنسان إلى الانشغال الدائم. ومن هنا كان من الوفاء أن يخصص المرء جزءاً من وقته لأصدقائه بالسؤال والزيارة والتواصل، وأن يشاركهم أفراحهم وأتراحهم، فالعلاقات الإنسانية لا تنمو بالإهمال، وإنما تزدهر بالرعاية والاهتمام.
ويبقى الصديق الصالح أعظم مكاسب الحياة؛ فهو معين على الخير، وناصح عند الخطأ، ومذكر عند الغفلة، وداعم في أوقات الضعف. وكلما اشتدت تحديات العصر وتعقدت ظروفه ازدادت الحاجة إلى هذا النوع من الصداقة التي تمنح الإنسان الطمأنينة والانتماء.
وفي زمن كثرت فيه الشاشات وقلّت فيه المجالس، وتعددت فيه وسائل الاتصال وضعفت فيه أحياناً معاني التواصل، تبقى الصداقة الحقيقية قيمة إنسانية لا يغني عنها أي بديل، ونعمة لا يعرف قدرها إلا من وجد صديقاً صدوقاً يحفظ الود في الحضور والغياب.
تشير دراسات حديثة إلى أن جودة الصداقات والعلاقات الواقعية ما تزال أكثر ارتباطًا بالرفاه النفسي من مجرد كثرة التفاعل الرقمي، وأن الاعتماد المفرط على التواصل عبر المنصات لا يعوض دائماً عمق العلاقة الإنسانية المباشرة.