د. رانيا القرعاوي
تشير دراسات التسويق الاجتماعي والتواصل من أجل التغيير السلوكي إلى أن الحملات التوعوية تحقق أثرًا أكبر عندما تُبنى على شراكات حقيقية بين الجهات الحكومية والقطاع الخاص والمؤسسات التعليمية والمجتمع المدني، لا عندما تعمل كل جهة بمعزل عن الأخرى. فالرسالة التي تتكرر عبر المدرسة، والجامعة، والإعلام، والمراكز التجارية، والمنصات الرقمية، تكون أكثر قدرة على تغيير السلوك من رسالة تُلقى في مؤتمر ثم تنتهي بانتهاء فعالياته.
تزداد أهمية هذا النهج في السعودية، التي تُعد من أكثر دول العالم شحًا في الموارد المائية الطبيعية، وتعتمد بصورة كبيرة على تحلية مياه البحر لتلبية احتياجاتها من المياه. وهذا يعني أن كل قطرة ماء تصل إلى المنازل تقف خلفها استثمارات ضخمة في التحلية والنقل والبنية التحتية والطاقة. لذلك، فإن ترشيد استهلاك المياه ليس مسؤولية قطاع المياه وحده، بل مسؤولية مجتمعية تتطلب مشاركة الجميع. ولعل أسبوع المياه السعودي، الذي استضافته جدة، يقدم مثالًا مهمًا على ذلك. فقد شهد حضورًا دوليًا واسعًا، وجلسات علمية متخصصة، واتفاقيات تعكس المكانة المتقدمة للمملكة في إدارة قطاع المياه واستدامته. إلا أن النجاح التنظيمي لأي مؤتمر لا يعني بالضرورة نجاح الحملة التوعوية المصاحبة له، فالمؤتمرات تخاطب الخبراء وصناع القرار، بينما تستهدف الحملات المجتمع بأكمله. وهنا يظهر الفرق بين نجاح الفعالية ونجاح الرسالة.
فلو تحولت المناسبة إلى حملة وطنية متكاملة، لرأينا المدارس تنظم أنشطة توعوية للطلاب، والمراكز التجارية تبث رسائل ترشيد المياه على شاشاتها، والبلديات تنفذ مبادرات ميدانية، والجامعات تطلق مسابقات وأبحاثًا توعوية، والقطاع الخاص يربط خدماته ورسائله بأهمية المحافظة على المياه، فيما يسهم المؤثرون ووسائل الإعلام في تبسيط الرسائل وتحويلها إلى محتوى قريب من المجتمع. عندها فقط كانت توصيات المؤتمر ستغادر القاعات لتصل إلى حياة الناس اليومية.
فالعزف منفرداً لا أثر له بغياب العمل التكاملي. فعندما تعمل كل جهة بمعزل عن الأخرى، يكون وصول الرسالة محدودًا، وتبقى التوصيات حبيسة البيانات الختامية. أما عندما تتوحد الجهود، فإن الرسالة الواحدة تصل إلى المواطن من أكثر من نافذة، فتتحول من معلومة إلى ممارسة، ومن توصية إلى ثقافة.
من النماذج الوطنية التي تستحق الإشادة حملة «الله لا يبين غلاك» التي أطلقها المركز الوطني لكفاءة وترشيد المياه، إذ نجحت في مخاطبة المجتمع بلغة إنسانية مؤثرة، جعلت الماء قيمةً يشعر بها الناس قبل أن يقرأوا أرقام استهلاكه. وهي تجربة تؤكد أن الرسالة المؤثرة قادرة على تغيير السلوك، لكن أثرها سيكون أعمق إذا تحولت إلى مظلة وطنية تشارك فيها مختلف الجهات طوال العام، لا أن تبقى مرتبطة بفترة زمنية محددة.
الإعلام السنع لا يبدأ عند نشر الخبر، بل يبدأ بعد انتهاء الخبر. فالنجاح الحقيقي هو أن يتحول المؤتمر إلى حملة وطنية متكاملة، تشارك فيها المؤسسات الحكومية، والقطاع الخاص، والمدارس، والجامعات، ووسائل الإعلام، وصناع المحتوى، كلٌّ من موقعه. فالوعي لا تصنعه فعالية تستمر أيامًا، بل تصنعه شراكة تستمر عامًا كاملًا.
فالمؤتمرات تصنع الأفكار، لكن الإعلام هو من يحولها إلى ثقافة. وحين يصبح الحفاظ على الماء عادة يومية، عندها فقط نستطيع القول إن الرسالة وصلت، وإن الإعلام أدى دوره كما ينبغي.