م. بدر بن ناصر الحمدان
منذ سنوات، تربطني أمسيةٌ أسبوعيةٌ دوريةٌ مع ثُلَّةٍ من زملاء العمل السابقين، جلُّهم متخصصون وممارسون في حقل العمل البلدي وإدارة المدن. اعتدنا أن نجتمع في أحد المطاعم العريقة على شارع يعجُّ بالمركبات والمارة، وصنعنا في ذلك المكان الكثير من الذكريات التي حملتها تلك الأيام التي خلت.
كان العثور على موقفٍ قريبٍ يمثل التحدي الأكبر، حتى أصبح افتتاح كل أمسية لا يخلو من حديثٍ عن هذه المعاناة التي تتزايد مع رفع كفاءة استخدامات الشارع، بل إن استمرار هذه الأمسية، التي تجاوز عمرها خمسة عشر عامًا، بات مهددًا بسبب البحث عن المساحة المفقودة لركن السيارة.
مع بدء مشروع مواقف الرياض الذي أطلقته الأمانة ضمن جهودها لتحسين جودة الحياة وتنظيم الحركة المرورية، قوبل القرار في بدايته باعتراض بعض الزملاء وعدم رضاهم، رغم أن التطبيق كان لا يزال في مرحلته التجريبية، حيث اقتصر الأمر على الإشعار بالمخالفة دون تحصيل الرسوم، لا لشيء سوى أنه لم يكن منسجمًا مع ثقافتهم المحلية، على الرغم من اعتيادهم هذه الممارسة في المدن التي يزورونها خارج المملكة.
مع مرور الوقت، وتنامي الشعور بفائدة هذه الخدمة، بدأ مستوى الرضا يتصاعد تدريجيًا، بالتزامن مع اكتمال تطبيق الرسوم والغرامات. والمفارقة أن هذا التحول جاء في ذروة التطبيق الفعلي؛ إذ تحولت نظرة الزملاء من الاعتراض إلى القناعة، بل وإلى التنافس في تحميل التطبيق المعني، والتعريف بآلية استخدامه، وكذلك في التعبير عن ارتياحهم لهذه الأداة الحضرية التي أسهمت في تنظيم استخدام المواقف وإتاحتها للمستفيدين الفعليين، بدلًا من بقائها مشغولةً لساعاتٍ طويلة بهدف تخزين المركبات.
لقد نجح مشروع مواقف الرياض بامتياز، بوصفه مشروعًا لامس تفاصيل الحياة اليومية، وساهم في غرس ثقافةٍ حضريةٍ جديدة عززت استجابة سكان العاصمة للأدوات التنظيمية غير المعتادة، حتى أصبحت جزءًا من جودة حياتهم.
أما بالنسبة إلينا، فقد أسهم المشروع في استمرار أمسيةٍ اجتماعيةٍ كانت مهددةً بالتوقف، لا لسببٍ سوى تعذُّر العثور على موقف.