د.عبدالحفيظ عبدالرحيم محبوب
الحرب الإيرانية لم تشعل الجغرافيا فقط، بل أعادت تعريف أمن التجارة بعدما كشفت عن هشاشة الطرق التقليدية، خصوصا بعد اعتبار مضيق هرمز ممرا استراتيجيا في ظل التجاذبات الجيوسياسية في صلب الخلافات ضمن المفاوضات الرامية لإنهاء الحرب في الشرق الأوسط، حتى بعد توقيع الولايات المتحدة وإيران اتفاقا أوليا، وتصر إيران على أنه لن تكون هناك عودة إلى الوضع الذي كان قائما قبل الحرب حين كان عبور السفن مجانا، ولا تسمح طهران بالعبور إلا عبر ممر واحد بمحاذاة سواحلها، وهددت باتخاذ إجراءات ضد أي سفينة تخالف هذه القاعدة، وبذلك فتحت الباب أمام سباق جديد، وإعادة رسم طرق وممرات تجارية جديدة، بل تحولت نقاط الاختناق البحرية وممرات الطاقة إلى ساحة صراع رئيسية، مما فرض واقعا لوجستيا واقتصاديا جديدا، بل أصبح اختبارا حقيقيا لتحديات النموذج الاقتصادي الخليجي لعقود، بعدما بني نموذج تجارة الطاقة من ان هذا الشريان سيبقى مفتوحا مهما اشتدت التوترات.
كانت السعودية الأكثر استشرافا للخطر منذ عقود خصوصا بعد أزمة حرب الناقلات في الثمانينيات، فأنشأت خط شرق غرب يمتد ل1200 كلم، كان أول رد على احتمال اختناق الخليج، لم تدخل السعودية أزمة مثلما دخلت بقية الدول الخليجية الأخرى، أثبتت أنها ممول عالمي موثوق للطاقة، وفي منتصف القرن العشرين أنشئ خط التابلاين لنقل النفط السعودي عبر البر إلى البحر المتوسط، من بقيق إلى ميناء صيدا في لبنان، بطول يقارب 1648 كلم متجاوزا مضيق هرمز.
فرض إيران مسارات ملاحية ورسوم إلزامية، شكل تحديا مباشرا لقوانين الملاحة الدولية الحرة، أسفر عن ارتفاع قياسي في تكاليف شحن الحاويات، كما كان التسبب في تراجع حركة ناقلات النفط والغاز عبر مضيق هرمز إلى تعرض سلاسل إمداد الطاقة في أوروبا وآسيا لصدمات سعرية ونقص محتمل، وإعادة توجيه سلاسل الإمداد العالمية لتجنب المخاطر.
عسكرة الممرات دفع دول المنطقة لتنويع استراتيجاتها الاقتصادية والدفاعية، والتوجه نحو إنشاء جسور برية وبنى لوجستية جديدة تعبر الصحراء لتجاوز عنق الزجاجة المائي، يمكن أن يتغير ميزان الجغرافيا جذريا خصوصا إذا تم إنشاء شبكة أنابيب تربط دول الخليج تصل إلى البحر الأحمر أو إلى بحر العرب، أو توسيع خط شرق غرب يرفع من الطاقة الاستيعابية دون الدخول في تعقيدات مشاريع عابرة للحدود، أي النفط موزعا على مسارات متعددة ما يقلل المخاطر والاستقرار الاقتصادي، فالسعودية بحكم موقعها تملك القدرة على أن تصبح الجسر.
فالسعودية مركز لوجستي عالمي يمكنها إعادة توجيه التجارة نحو مسارات جديدة، فمع تطوير موانئ ينبع وجدة، بما في ذلك العمق الذي يبنى ضمن مشروع نيوم، يتكامل مع خطة السعودية في رؤيتها 2030، الذي يجعلها مركزا لوجستيا عالميا، خصوصا مع إطلاقها استثمارات في القطاع اللوجستي خلال الفترة 2023-2034 بقيمة 1.6 تريليون ريال، بتطوير 59 مركزا لوجستيا حتى عام 2030.
فخط سكة الحديد الحجاز بين تركيا والسعودية، خط توقف بسبب الحرب العالمية الأولى، ويعود اليوم بسبب حرب إيران، فالمشروع لم يعد مشروعا لوجستيا فقط، بل أصبح مشروعا سياسيا من الدرجة الأولى، فهو شريان بديل إذا اختنق مضيق هرمز، أو باب المندب.
تقف السعودية في قلب هذا التحول وفي قلب هذه البدائل، تدفع بثقلها في دفع هذا المشروع هي وتركيا لما تملكه السعودية من موقع جغرافي يربط آسيا بأوروبا، وتوفر الاستثمارات، وكل مشاريع الربط تمر من خلال السعودية، كلها عوامل تفتح الباب أمام قراءة مختلفة، أمام هذا النوع من المشاريع والمبادرات تعكس تحركا أعمق من نقل الركاب إلى تموضع السعودية على خارطة الربط بين آسيا وأوروبا.
ليس إحياء للماضي بل مشروعا جديدا بالكامل أكبر وأسرع وأكثر طموحا، أنشئ الطريق في بداية القرن العشرين بين دمشق والمدينة المنورة بطول 1464 كلم بعد الحرب العالمية الأولى انتقل مركز الثقل إلى هرمز شريان الطاقة الأكبر في العالم، لكن بعد نحو قرن في مارس 2026 بدأ العالم ينظر إلى الملف القديم في القضبان المنسية في الصحراء، وهو مشروع دون هرمز حتى ومن دون باب المندب، لنقل الطاقة والبضائع، وهو مشروع تجاوز مرحلة النظر بل هناك مذكرة تفاهم بين السعودية وتركيا سيتم الانتهاء منها قبل 2026.
سيتم خلق شبكة لوجستية ضخمة لنقل النفط والبضائع وربط سلاسل الإمداد من الخليج وربطها بالأسواق الأوروبية لخفض تكاليف الشحن، وزيادة حجم التنمية الاقتصادية التكاملية، فكرة المشروع قديمة لكن حرب إيران بدأت التفكير فيه، لدفع هذا المشروع ليكون ممرا بديلا، فهو يمثل حلا لوجستيا واستراتيجيا يتجاوزعنق الزجاجة.
** **
أستاذ الجغرافيا الاقتصادية والسياسية بجامعة ام القرى سابقا