ماجد قاروب
الوقف من أهم أدوات التنمية الاقتصادية في العالم وليس فقط في المجتمعات الإسلامية، إذ أسهم عبر التاريخ في دعم مجالات التعليم والصحة والرعاية الاجتماعية وحتى تجهيز الجيوش؛ مما جعله أحد أهم أدوات التكافل والتنمية، ولعل جامعة هارفارد العريقة خير مثال عالمي لذلك.
يواجه الوقف تحديات ضخمة تتعلق بإدارة الأصول وتنمية الاستثمارات ورفع كفاءة الأداء لتعزيز الثقة؛ لذلك برزت أهمية الحوكمة المؤسسية بوصفها إطاراً تنظيمياً وإدارياً يهدف إلى ضمان سلامة الإدارة ووضوح المسؤوليات وفعالية الرقابة وحماية الأصول وتحقيق الاستدامة.
يتطابق الوقف في جوهره الإداري والحوكمي مع الشركات، فالوقف يقوم على وثيقة تأسيسية تتمثل في صك الوقفية كما تقوم الشركة على عقد التأسيس أو النظام الأساس، ويُدار الوقف من خلال مجلس النظارة والإدارة التنفيذية على نحو يماثل مجلس الإدارة والإدارة التنفيذية في الشركات، وللوقف مستفيدون تُخصص لهم العوائد وفي الشركات الشركاء الذين تعود عليهم الأرباح.
يخضع الوقف مثل الشركات لمبادئ الحوكمة المؤسسية ذاتها بما في ذلك الشفافية والإفصاح والمساءلة وإدارة المخاطر والرقابة الداخلية والامتثال للأنظمة وتعارض المصالح، فضلاً عن تحديد الصلاحيات والمسؤوليات وقياس الأداء وتحقيق الاستدامة كما هو الحال في مجالس الإدارة بالشركات.
مجلس النظارة الركيزة الأساسية في حوكمة الوقف، إذ يتولى رسم التوجهات الاستراتيجية واعتماد السياسات والخطط والإشراف على الإدارة التنفيذية كما هو الحال في مجلس إدارة الشركات وخاصة المساهمة والعائلية.
لجان المراجعة والاستثمار والمخاطر والترشيحات والمكافآت التي تسهم في تعزيز جودة القرارات ورفع مستوى الرقابة والحوكمة هي ذات الأدوار والأهداف التي تضطلع بها اللجان المنبثقة عن مجالس الإدارة في الشركات المساهمة والعائلية.
يتولى الناظر في الوقف كما الرئيس التنفيذي في الشركات إدارة الأعمال اليومية وتنفيذ الخطط والاستراتيجيات المعتمدة وتنمية الأصول ورفع التقارير الدورية بما يحقق التكامل بين الدور الإشرافي والدور التنفيذي بوصفه المسؤول عن إدارة العمليات التشغيلية وتنفيذ قرارات مجلس النظار كما هو في مجلس الإدارة للشركات.
يستلزم في الوقف توافر أعضاء يتمتعون بالكفاءات والخبرات الاستثمارية والمالية والقانونية والإدارية إلى جانب النزاهة والاستقلالية والقدرة على إدارة المخاطر واتخاذ القرارات الرشيدة، وهي ذات المتطلبات والمعايير التي تحكم تشكيل مجالس الإدارة في الشركات وتُعد من الركائز الأساسية لفعالية الحوكمة وتحقيق الاستدامة.
الوقف ليس كياناً خيرياً بل كيان اقتصادي واستثماري يتطلب تطبيق أفضل ممارسات الإدارة الحديثة والحوكمة الرشيدة، ولذلك فإن نجاح الوقف والشركات واستدامتهما لا يعتمدان على حجم الأصول أو العوائد المالية فحسب وإنما على كفاءة الحوكمة وجودة الإدارة وقدرة القائمين عليها على تنمية الأصول وتعظيم عوائدها وإدارة مخاطرها.
التميز المؤسسي في الأوقاف لا يختلف في مقوماته الأساسية عن قطاع الأعمال والشركات المساهمة والعائلية وفي مقدمتها النزاهة والشفافية والأمانة والكفاءة وتجنب تعارض المصالح ومكافحة الفساد.