عمار الزغيبي
لم يعد المشهد العقاري في المملكة مجرد حراك تقليدي يعتمد على حركة البيع والشراء العشوائية للأراضي، بل نحن اليوم أمام عملية إعادة هيكلة جذرية وشاملة تقودها رؤية السعودية 2030. فحين تتضاعف الأصول المُدارة في الصناديق العقارية السعودية بنسبة 100 % خلال عامين فقط، فإن الأمر لم يعد مجرد رقم اقتصادي لافت، بل مؤشر واضح على أن السوق العقارية في المملكة تدخل مرحلة جديدة عنوانها الاستثمار المؤسسي والحوكمة والشفافية، وعندما نتحدث عن قفزة كبرى بنسبة 100 % في حجم الأصول المدارة بالصناديق العقارية خلال عامين فقط، فإننا لا نقرأ مجرد نمو عددي عابر، بل نرصد تحولاً هيكلياً عميقاً ينقل السوق من عباءة الاجتهادات الفردية والمضاربات التقليدية إلى فضاء الاستثمار المؤسسي المنظم والأكثر احترافية. هذا النضج المتسارع يبرهن على أن البيئة الاستثمارية العقارية في المملكة أصبحت أكثر جاذبية وموثوقية لدى المستثمرين وملاك العقارات على حد سواء.
الأرقام وحدها تحكي قصة التحول، فقد ارتفعت قيمة أصول الصناديق العقارية الخاصة إلى 356 مليار ريال، فيما أصبحت الصناديق العقارية تمثل نحو 25 % من إجمالي الأصول المدارة في السوق المالية السعودية، التي تجاوزت قيمتها 1.2 تريليون ريال، وهذه نسبة تعكس حجم الثقة التي اكتسبتها هذه الصناديق، ليس فقط من المستثمرين، بل أيضًا من ملاك الأصول العقارية الذين باتوا ينظرون إليها كوسيلة أكثر كفاءة لتعظيم قيمة أصولهم.
إن البيئة التنظيمية التي تقودها هيئة السوق المالية، خلال السنوات الأخيرة كُلل جُهدها بتحديث الأطر التشريعية، وتعزيز معايير الحوكمة والإفصاح، ورفع مستويات حماية المستثمرين، فالأسواق المالية لا تُبنى على وفرة الفرص فقط، وإنما على وضوح الأنظمة، وعدالة التقييم، وسهولة الوصول إلى المعلومات، وهي عناصر أصبحت تشكل اليوم العمود الفقري للصناديق العقارية السعودية. ففي الاقتصادات المتقدمة، تعد الحوكمة العامل الأول في جذب رؤوس الأموال، وهو ما تسعى المملكة إلى ترسيخه. لذلك لم تعد الحوكمة مجرد متطلب نظامي، بل أصبحت أداة اقتصادية ترفع كفاءة الاستثمار، وتحد من المخاطر، وتعزز استدامة العوائد.
ولا ننسي أن موافقة مجلس الوزراء على اللائحة التنفيذية للنظام المحدث لتملك غير السعوديين للعقار واعتماد النطاقات الجغرافية للتملك، ستضيف بعدًا جديدًا إلى جاذبية السوق العقارية، كونهُ لا يفتح الباب أمام الاستثمار الأجنبي بشكل عشوائي، بل يقدم نموذجًا تنظيميًا متوازنًا يحدد المواقع، وأنواع الحقوق العقارية، وآليات التملك، بما يحافظ على استقرار السوق ويزيد من جاذبيته في الوقت نفسه. ومن المتوقع أن تنعكس هذه الخطوة على زيادة تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر، خاصة في المشاريع النوعية والمدن الكبرى، مع ارتفاع الطلب على المنتجات العقارية الحديثة، وتوسع الشراكات بين المطورين المحليين والعالميين. كما ستسهم في تطوير مجتمعات عمرانية بمعايير دولية، تتماشى مع مكانة المملكة كمركز اقتصادي واستثماري عالمي، ومن اللافت أن الأسواق المالية استوعبت هذه الرسائل بسرعة، مما يعكس ثقة المستثمرين في أن الإصلاحات التنظيمية ستنعكس إيجابًا على أداء الشركات العقارية والصناديق الاستثمارية خلال السنوات المقبلة.
ما يحدث اليوم في السوق العقارية السعودية ليس مجرد نمو في حجم الصناديق أو ارتفاع في قيمة الأصول، بل هو انتقال من مرحلة تعتمد على النشاط التقليدي إلى سوق مؤسسية أكثر نضجًا، تُدار وفق أفضل الممارسات العالمية؛ لتبني سوقًا أكثر كفاءة وشفافية واستدامة.